لقطات بائسة من سير الملوك

تاريخ الإضافة الثلاثاء 27 نيسان 2021 - 7:49 ص    عدد الزيارات 419    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن

        



عاودت الذاكرة؛ فأنا لا أملك هذه الأيام سواها، الاشتغال على مسألة "إنسانية الرئيس.. السيسي"، فبينما قادتني للربط بين السيسي وهلموت كول، ها هي تربطه بنظام الملك و"سير الملوك"، عبر استدعاءات بدت للحظة متنافرة، وبجهد بسيط انتظمت، هي الأخرى.

وإذا كانت في شغلها الأول ذات منحى سياسي، فهنا تظهر انشغالا بما هو أبعد باتجاه الثقافة والأدب والتأريخ.

نظام الملك؛ بحسب ترجمة ابن كثير له في كتابه "البداية والنهاية"، هو: "الحسن بن على بن إسحاق، أبو علي، وُزّر للملك ألب أرسلان وولده ملكشاه"، المتوفى سنة 485 هـ، والذي يصفه العديد من الكتاب المعاصرين بأنه "أشهر وزير في سيرة تاريخ الأمة الإسلامية".

 

أما "سير الملوك"، فهو كتابه الأشهر الذي عرف به، وذاعت شهرته في ملفوظه الفارسي "سياست نامه"، كما عرف بأنه الشخص الذي بنى المدارس النظامية ببغداد ونيسابور وغيرهما، حيث درس فيها عدد من أبزر الأدباء والفقهاء المسلمين، أبرزهم بلا منازع، أبو حامد الغزالي، صاحب "إحياء علوم الدين".

والرابط ينعقد على فصل من الكتاب عنوانه "في تنظيم المقابلات الخاصة والعامة"، حيث ينصح الوزير السلطان بالتالي: من إمارات المقابلة رفع الستارة، أما إسدالها فيعني أنه لا يسمح لأحد بالدخول ما لم يُسْتدعَ.. إن تضييق النطاق على الناس في الوصول إلى الملك ومقابلته يؤدي إلى تردي أحوالهم وبقائها خافية عليه، وإلى تفاقم أمر المفسدين وتماديهم، وسوء حال الجيش ومعاناته، وشقاء الرعية.. ليس ثمة أفضل من أن يوسع الملك نطاق مقابلاته ويفتح أبوابه على مصاريعها.. يجب تخصيص يوم أو يومين أسبوعيا للمقابلات العامة بحيث يكون الملك في أوج انبساطه ونشاطه، ليتمكن من حضورها كل من اعتاد ذلك ولا يمنع منها أحد".


هل تلعب ذاكرتي لعبة فاسدة فتجرني للخلف ألف عام لتقيم رابطا مع الدعاية الفجة لإنسانية الرئيس، أم أن الأمر صالح لمقاربة معقولة؟


الوزير الأعظم؛ الذي مكث في موقعه تسعاً وعشرين عاماً، وانتشر أبناؤه وأحفاده فى أخطر المناصب والمواقع داخل الدولة، يقدم نصائح للسلطان ليسوس الرعية بأدوات وطرق عصره، ويمكننا بسهولة أن نقيم جسرا، ونعادل الفرق الزمني الشاسع، فنفترض أن "الستارة" الحديثة التي ينصح برفعها هي إطلاق حريات الرأي والتعبير والإبداع والتنظيم، وأن ممارسة هذه الحريات بإطلاق هي من موجبات "الوصول إلى الملك"، بديلا عن المقابلات الخاصة والعامة.

 

لكن الحملات الدعائية الفجة حول "إنسانية الرئيس" تريد في الواقع أن يكون السيسي أقرب لـ "نظام الملك" من افتراضاتي ومخيلتي. 

أريد هنا أن أتخفف من ارتباطات نظام الملك وكتابه ومن ملابسات تاريخه الصراعية، التي تسمم بعض رواسبها المقدرة على قراءة موضوعية للرجل ولمنجزه، فهناك في الخلفية صراع محتدم بين الرجل باعتباره أبرز الشخصيات في دولة السلاجقة المهيمنة على الخلافة العباسية، والذي يقود الصراع السياسي والعسكري والفكري في مواجهة حركات المعارضة والتمرد، وأخطرها الحركة الإسماعيلية، التي تعرفها أدبيات ذلك العصر بـ "الباطنية"- للغزالي كتاب مشهور لنقدها وتفنيد أفكارها في مقر دعوتها الأهم "الدولة الفاطمية" في مصر.

في حالة الصراع تلك شغل نظام الملك أحد أقطابها في مواجهة قطب مشهور آخر هو شيخ الجبل "الحسن الصباح" الرابض في قلعة "آلموت".

التخفف من كل تلك الملابسات ليس سهلا، فمجالاتها الفكرية والأدبية هائلة الجاذبية، وهناك روايات رائجة حولها (سمرقند لأمين معلوف، وآلموت لفلاديمير بارتول، مثلا) وأفلام ومسلسلات مشوقة.

 

لكني أريد هنا حصر الإنشغال في موضوعة واحدة، وهي: نصائح الوزير للسلطان، وبالخصوص علاقة السلطان أو الملك، أو أيا ما كانت تسمية صاحب القرار والأمر، بالناس- الرعية، الشعب، المواطنين.


الدارسون لكتاب "سير الملوك" يذكرون أن "ملكشاه" أمر عام 479 هجرية بضعة من (مشاهير الدولة، والمسنين والحكماء) بأن ينعموا النظر في أمور المملكة ويتأملوها جيدا، ويكتبوا عن كل ما هو غير محمود فيها لا يجري في نصابه، وعن سنن الملوك السابقين الحميدة، ثم يعرضوها عليه ليجعلها دستوره، ويضعها نصب عينيه.

 

فنفذ أولئك العظماء ما أمروا به، واختار السلطان من بين ما كتب جميعا كتاب نظام الملك، وقال: "لقد اتخذت هذا الكتاب إماما لي، وعليه سأسير". وقد استدعت ذاكرتي هذه الجملة: "ليس ثمة أفضل من أن يوسع الملك نطاق مقابلاته ويفتح أبوابه على مصاريعها".

إنها نصيحة ألف عام، أما أدواتها العصرية الحاضرة فمفهومة وواضحة، ليس من بينها على الإطلاق تلك اللقطات الخادعة المصنوعة والزائفة؛ حتى ولو كانت واقعة بالفعل. 

بقي درس نهاية نظام الملك، يذكر بعض الدارسين المحدثين أن آخر كلام نطق به "نظام الملك" وهو يحتضر: "لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه"، ثم تشهد ومات.

 

وبينما يقدم التاريخيون القدماء روايات متباينة، لا يمكن معها القطع بأن فرق الاغتيال التابعة لــ "الحسن الصباح" هي المسؤول الأول عن اغتياله، فقد ذكر ابن كثير أنه جرى اتهام السلطان "ملكشاه" بأنه "هو الذى مالأ عليه"، وأن "الجند قتلوا فتى اتهم بقتله"، كما يشير ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" أن وراء الاغتيال السلطان الذي كان يشعر بالغضب جراء تمدد نفوذ نظام الملك بالدولة، عبر أولاده وأحفاده، وأن السلطان أرسل إلى "نظام الملك" رسالة يقول له فيها: "إن كنت شريكي في الملك، ويدك مع يدي في السلطنة، فلذلك حكم، وإن كنت نائبي، وبحكمي، فيجب أن تلزم حد التبعية والنيابة"، فرد "نظام الملك" على السلطان قائلاً: "إن كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم، فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي"، فوقع الغضب وتدبير القتل.

الدرس أن نصائح الملوك لا تفيد حتى صاحبها، فالملك لا يقبل الشراكة، والعجيب أن هناك من يريد لواقع ألف عام أن يستمر من خلال تلك اللقطات البائسة.