مسلسل الملك أحمس.. لماذا يتعرض لانتقادات أدبية وفنية؟

تاريخ الإضافة الإثنين 22 آذار 2021 - 8:31 ص    عدد الزيارات 484    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن

        



منذ انتشار بوستر غير رسمي لمسلسل الملك أحمس، الذي تنوي شركة سينرجي للإنتاج الفني طرحه في شهر رمضان المقبل، والجدل حول المسلسل لا يتوقف، سواء من جانب جمهور السوشيال ميديا أو نقاد الدراما أو الباحثين المتخصصين في التاريخ المصري القديم.

في الثقافة المصرية مثل شعبي يقول: "الجواب بيبان من عنوانه"، مفاده أن الأمور تتضح أحيانا منذ بداياتها، فتنبئ عن المتوقَّع منها.

 

هكذا قد يكون المسلسل مصداقا قويا لهذا المثل، فالاستسهال وتجاهل التاريخ واللهاث وراء مقولات الخيال الشعبوي على حساب منطق التاريخ والدراما.. كلها سمات واضحة للمسلسل.

البداية من اختيار الفنان عمرو يوسف، بطلا يجسد دور الملك أحمس في طرد الهكسوس الذين احتلوا شمال مصر لمدة 108 سنوات. يسعى صناع المسلسل وراء الصورة التقليدية للنجم الأشقر، ذي العينين العسليتين، محطم قلوب النساء.. 

تلك صورة تقليدية قد تضمن متابعة ربات البيوت المصريات، لكنها تتناقض مع معلومات تاريخية بديهية، منها أن أحمس تاريخيا هو رجل صعيدي ينتمي إلى "طيبة" التي هي مدينة الأقصر الحالية، فمن الطبيعي أن يكون أسمر البشرة، أسود العينين، كما أن الفراعنة كانوا دوما حليقي اللحى بينما الهكسوس كانوا ملتحين، على الأقل كما صُوّروا على جدران المعابد. ولأن الهكسوس أتوا من الشام، فمن الطبيعي أن تكون بشرتهم أفتح من المصريين.

بهذا المعنى، كان الطبيعي أن يمثل عمرو يوسف دور ملك الهكسوس، لا أحمس. هكذا صوّر المصريون أنفسهم، وهكذا صوروا أعداءهم.

انتشر على السوشيال ميديا بوستر لعمرو يوسف في دور أحمس بزي فرعوني، لكن شركة سينرجي، منتجة العمل، التابعة لجهاز المخابرات، نفت إصدار هذا البوستر، الذي نشره أحد معجبي عمرو يوسف، لكن الشركة لم تفكر في الرد على أي من انتقادات الجمهور والنقاد وأسئلتهم، التي غمرت السوشيال ميديا، وهي كثيرة، منها:

 

-اعتمد صناع العمل على رواية "كفاح طيبة" للروائي المصري الأشهر نجيب محفوظ، وبطبيعة العمل الروائي، لم يلتزم محفوظ بتفاصيل تاريخية كثيرة، بل إنه تخيل أحداثا لم تحدث ولم يكن ممكنا أن تقع بمقايس ذلك العصر، كأن يقع أحمس في حب ابنة ملك الهكسوس قاتل أبيه وأخيه.

 

وإذا كنا نعلم أن حدود الرواية تتجاوز الوقائع لأنها عمل إبداعي بالأساس، فينبغي أن يتكئ العمل الدرامي على الوقائع التاريخية أو أن يعلن تجاوزه للتاريخ، واعتماده على الخيال فلا يكون المسلسل تاريخيا، وهو ما لم تفعله الشركة المنتجة باستسهال غريب، فقد كان يمكنها اللجوء لمتخصصين في التاريخ أو إعلان مخالفة التاريخ بصراحة.

-وتنبثق من النقطة السابقة عدة نقاط، منها ما يطرحه بسام الشماع، الباحث المتخصص في علم المصريات من أنه عرف تفاصيل المسلسل من بعض أعضاء فريق العمل، وفيها كثير من الأخطاء التاريخية، مثل إظهار كاموس، شقيق أحمس الذي قاد النضال ضد الهكسوس قبله حتى قتل، في صورة الخائن الذي رباه الهكسوس.

-ثمة أخطاء تاريخية كبيرة في ما يتعلق بأزياء الممثلين. كيف يرتدي جندي من جيش أحمس غطاء رأس ملكياً خاصا بالملوك دون العامة؟ وكيف يرتدي آخر خوذة حربية بينما لم تكن الخوذات قد عرفت في ذلك العصر؟ ولماذا يرتدي أحد الجنود درعا منقوشا عليه نسرٌ مما لم يعرف وقتها أيضا؟ حتى إن لبس الدروع في حد ذاته ليس متفقا عليه في تلك الحقبة!

هذه الملحوظات هي مجرد أمثلة لما نُشر في الصحف وعلى السوشيال ميديا دون أن ترد عليه الشركة بشيء، مع أن صورا مختلفة نشرت كأدلة على هذه الأخطاء التاريخية.

وهذه النقطة الأخيرة تطرح إشكالا مهما بتقديري، يرتبط بما تقدمه شركات الإنتاج التابعة للأجهزة السيادية في مصر.

 

فمع اقتراب شهر رمضان تطل علينا أخبار المسلسلات التي تكاد تنحصر في تقديم حروب وأعمال حربية بتنويعات وطرق مختلفة، مفادها إسباغ المزيد من القداسة على الجيش وقادته.

 

حتى في عمل تاريخي يستلهم عصر الفراعنة، اختارت الشركة المنتجة عملا يقدس بطلا عسكريا.. ألا توجد بطولة أو مواقف وقيم تستحق الاحتفاء سوى الأعمال العسكرية؟ أين أمجاد البشر العاديين الذين قادهم حظهم العاثر ليصبحوا مواطنين مصريين، خارج منظومة الجيش؟

واتساقا مع الطابع التجاري والدعائي الفج، نشر كثير من ممثلي الفيلم الثانويين صورهم بأزياء جنود أحمس، وهو ما أثار الانتقادات التاريخية السابقة، المتعلقة بالأزياء، وما أثار أيضا تساؤلات كثيرة عن تصور صناع المسلسل للحياة في مصر القديمة بل للحياة في عمومها.. كيف فكروا في جمع "البودي غاردات" والفتوات ذوي العضلات المفتولة ليؤدوا دور الجنود العاديين في الجيش؟ يقودنا ذلك إلى التفكير في رؤية هذه الأجهزة للبشر.

 

ففي العصور القديمة، كان البشر ضعفاء بدنيا وصحيا؛ كان الغذاء أشح ومتوسط الأعمار أقصر بما لا يقاس بعصرنا، حتى إن قبائل وأقواما كانوا يخسرون حياتهم بسبب المجاعات والجفاف، فكيف يتصور صناع المسلسل أن جنود أحمس كانوا من لاعبي كمال الأجسام، إلا إذا تصوروا أحمس نفسه فتى أشقر، عسلي العينين، فاتنهما!

وإذا كان أكثر الشعب المصري يعاني من سوء التغذية الآن، ويكافح ليفلت من الوقوع تحت خط الفقر، فلماذا لا تظهر الدراما المصرية إلا جنودا منفوخي العضلات، صارمي الملامح، يكادون يفتكون بالمشاهدين القابعين أمام الشاشات؟