"أحلام الدوبلير".. رؤية طازجة لعالم عَفِن!

تاريخ الإضافة الأحد 31 كانون الثاني 2021 - 1:53 ص    عدد الزيارات 431    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن

        



في المجموعة القصصية "أحلام الدوبلير" للكاتب المصري أحمد عبد المنعم رمضان، طموح فني لافت، يسعى عبره الكاتب إلى نوع من ابتكار رؤية ما لعالمنا هذا، أعني بذلك محاولة نسج علاقات جديدة بين مكونات العالم من حولنا. قبل أن نخطو داخل هذه المجموعة، ربما يتعين علينا أن "نخلع" عيوننا ونرتدي العيون التي اختارها الكاتب لنرى بها الأشياء في ذلك العالم.


تذكرني هذه المجموعة بأجواء السرد في أدب أمريكا اللاتينية، حيث الواقعية السحرية بطرحها دائم الإدهاش. ربما يمكنني القول إن أحلام الدوبلير تستلهم مبادئ الواقعية السحرية، وإن احتفظت بنصيب من الخيال البكر الذي منحها شخصية مميزة، أنقذتها من الوقوع في فخ التكرار وإعادة إنتاج ما أبدعه رواد آخرون.


في الواقعية السحرية، نجد عالما ذا علاقات حقيقية، لكنها منسوجة وممتدة على نحو غير مألوف. فالبشر بشر، لكن خصائصهم غير بشرية. مثلا لا نحتاج إلى تشبيه إنسان بسمكة، لكن يمكننا أن ننسج حياة إنسانية كاملة في قلب محيط، كما يمكن أن يسبح البشر كالسمك وأن يتنفسوا تحت الماء، وهكذا.


وفي أحلام الدوبلير، تتخذ القصص هذا الموقع من العالم. في قصة "بائع الأحلام" نجد رجلا يتورط في نوع من "تجارة الأحلام". كان في حيه عجوز يبيع الأحلام للشباب والفتيات، كل زبون وفق رغبته، من حقه أن يطلب الحلم الذي يريده والبائع يمنحه الحلم ويحدد سعره!


يطلب البطل حلما يليق بمراهقته وقتها؛ حلما يكون فيه ليوناردو ذو القناع الأزرق، بطل سلاحف النينجا المعروف لجيل الثمانينيات، وينقذ فيه ملهمته "ميس دينا" من لص سرق حقيبتها، في مشهد مثقل بمظاهر القوة الفجة، المراهقة. يضرب اللص ويعيد الحقيبة إلى ميس دينا فتقبل خديه بنوع من الأمومة، تدغدغ خياله المراهق.


لكن كثيرا من موضوعات المجموعة تتجاوز فكرة اللعب الذكي بالعلاقات الإنسانية، وتنفذ إلى نوع من النقد الذكي لعالمنا المعاصر وما تتسم به عولمته من قدرة على تسليع أي شيء. فالأحلام تسري عليها القوانين الحاكمة لأي سلعة؛ يتفاوض البائع والمشتري على سعرها، كما يتلقى مشتريها بعض التعليمات كأن ينام على ظهره ويغلق عينيه على الحلم كي لا يسقط منهما فيضيع.

ثمة سمة أخرى متداخلة مع سياسات الإنتاج الحديثة: إعادة التدوير وانعدام الأصالة، فالمنتجات كلها تكاد تتطابق، بلا سمات تخصصها لمستهلكها، والمصنّع اللاهث وراء الربح يلتزم بإنتاج أكبر عدد من نسخ المنتج، والمستهلكون الذين تشكل وسائل التواصل أذواقهم لا يمانعون، بل ربما يميلون لزيادة استهلاك السلع ذاتها ما دام المعلنون ينفقون بسخاء على إعلاناتها. هكذا نجد العجوز يسرق الأحلام من عيون البنات ليلا ليبيعها لزبائنه نهارا!


لا شيء شخصي، حتى الأحلام؛ استطاع البشر تداولها وإعادة تعبئتها وبيعها مرارا وتكرارا.


في قصة "الحب على رقعة شطرنج" تختلط قوانين الفيزياء بقوانين الحب. يلتقي شاب بفتاة تقف على الرصيف المقابل لمحطة المترو، حاملةً جيتارها. يسرق البطل مضرب تنس من رجل يجاوره ويخرج من جيبه كرة تنس لا يعرف مصدرها، يضرب الكرة نحو الفتاة التي تسحب جيتارها وتضرب الكرة به نحوه بالجيتار كأنه مضرب تنس.


يعبر الشاب شريط المترو على جسر من مضربه وجيتارها، فيلتقيان أخيرا. نتوقع أن يتعاشقا وتنتهي القصة لكن لا، فقوانين هذا العالم تأبى تلك البساطة. يحبها وتحبه لكن الحب أمر بالغ التعقيد. تشترط عليه التقدم للزواج منها وهزيمة ابن عمها وخطيبها في مباراة شطرنج حتى يرضى والدها بتزويجهما.


لا تبدو العلاقات منطقية في أي من قصص المجموعة. لماذا ينبغي أن يهزم خطيبها في مباراة شطرنج بالذات؟ ولماذا خُطِبت إليه وهي لا تطيقه؟ تلك هي العلاقات الكاشفة لعالمنا المعاصر. تتزوج الفتيات بمن لا يحببنه لأسباب كثيرة، قد لا ترتبط بالشطرنج وإن كانت أشد تفاهة منه، كالوسامة أو الثراء أو البرستيج، مما يكون سببا في انهيار كثير من العلاقات المبنية على الوهم.


تتآمر قطع الشطرنج على خطيبها السابق لكنه يهزم البطل، فيخرج الفيل من الرقعة، يحمل البطل ويمضي به نحو شرفة حبيبته المتلهفة على انتصاره الذي لم يتم. يرحلان على ظهر الفيل الذي تحول من قطعة شطرنج إلى حيوان هائل، احتفالي، منقذ.


في قصة "المباراة" يلعب البطل مباراة غير مفهومة، فهو لا يجد الكرة أصلا، كما أنه يرتدي بلدة رسمية. ومع صافرة الحكم يجري على المستطيل الأخضر بحثا عن الكرة لكنه يصطدم بناس وأماكن وعلاقات غريبة.. ما بين رجل وأسرته يجلسون مع قدر كبير من "المحشي" على شاكلة المصطافين الريفيين المصريين، الذين يقضون الصيف على شواطئ الإسكندرية بأطعمتهم المفضلة، وكذلك فتيات فاتنات، ثم عجوز، وعلى دكة المدرب يشتمه مدرب مصري شهير عُرف بسبابه الفج. 


ثم يكتشف البطل، حين يصل إلى منطقة "الست ياردات" القريبة من المرمى، أن ضابطا على وشك اعتقاله لأنه لا يملك رقم "فانلة" الفريق، لكنه أنقذ نفسه من الاعتقال بمنح الضابط خمس جنيهات، ثم منحه خمس جنيهات أخرى فسمح له بالعبور. يكتشف البطل أيضا أن رجلا غريبا أشعل راية "الكورنر" وأعلنها أرضا مستقلة عن الملعب، احتلها ببساطة لأنها أرض أجداده، وهي صورة ترمز في تقديري إلى معنى الاحتلال وعبثية الاحتلال الصهيوني لفلسطين.


هذه بعض تقنيات كتابة المجموعة القصصية، التي أدهشتني حقا، وفتحت لي أبوابا من تأمل عالمنا المعاصر من زوايا رؤية جديدة، تليق بعبثيته واستشراء الفساد فيه، وغلبة الاستهلاكي على الشخصي والإنساني.