ألف ليلة وليلة.. السيناريو الغائب

تاريخ الإضافة الإثنين 18 كانون الثاني 2021 - 10:22 م    عدد الزيارات 523    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن

        



عند الانتهاء من قراءة كتاب (ألف ليلة وليلة) يتبادر إلى ذهن القارئ الحقيقة القائلة بأنه قد اشترك في تأليف هذا الكتاب أكثر من شخص، وتعاقب عليه أكثر من عصر؛ فإن صح القول بأن بداية تدوين الحكايات كانت في القرن الثالث الهجري، فإن القارئ سيجد حكايات لا يمكن تصنيفها زمنياً إلا في العصر العثماني أو أواخر العصر المملوكي مثل الحكاية التي يرد فيها ذكر البندقية (1).

وتعاقب المؤلفين والأزمان كان له دور وتأثير في صياغة الحكايات (بالحذف والإضافة والتعديل)، وبمجرد الوثوق بفكرة التعاقب ستتوالد لدينا أسئلة شائكة تبحث عن إجابات لها.

وإذا حاولنا اختبار الحكاية الإطار التي تنظم قصص الكتاب فإن أسئلتنا ستنصب في هذا الجانب؛ فهل تم إعادة صياغة الحكاية الإطار خلال هذا التعاقب طويل الأمد؟ 

وهذه الحكاية التي يكاد يختفي تأثيرها أثناء توالد الحكايات الأخرى وتكتفي بدور الفاصل بين الليلة والليلة التي تليها؛ هل كان مخططا لها(أقصد الحكاية الإطار) أن تلعب دوراً أكبر في الحكاية حينما شرع المؤلف الأوّل في كتابة الليالي؟ وباستثناء الشخصيتين الرئيسيتين (شهريار وشهرزاد) في الحكاية الإطار، هل هناك شخصيات كان يمكن أن تُسند لها أدوار البطولة؟ وهل كان من المفترض لها أن تتبادل الأدوار، كل دور حسب وظيفته: دور الحكي بدلاً من شهرزاد، ودور الاستماع بدلاً من شهريار؟ 


وللإجابة عن هذه الأسئلة نلفت الانتباه إلى شخصيتين ثانويتين ظهرتا في الكتاب في الحكاية الإطار: شخصية الملك شاه زمان (شقيق شهريار) وشخصية دنيازاد (شقيقة شهرزاد).

 

وإذا أعدنا ترتيب الحكاية بناء على الدور الذي لعبه كل منهما، فإن شاه زمان كان محركًا فاعلاً في الأحداث؛ فهو الذي كشف خيانة زوجة أخيه مما كان له التأثير في سير الأحداث، وهو الأمر الذي ترتب عليه قيام شهريار بقتل كل فتاة يتزوجها بعد أن يفتض بكارتها. 
وإن فعل معاقبة النساء بالقتل بجرم اقترفته امرأة واحدة لا يصدر بسهولة عن ملك حكم بالعدل عشرين عاماً، كما جاء في تفاصيل الحكاية الإطار.

وبعد عودة شهريار إلى قصره بعد حادثة العفريت عاد شاه زمان معه ولم يرد في الكتاب أنه عاد إلى مملكته في (سمرقند العجم)، ولستُ في صدد القيام بتحقيق جنائي يستقصي أين ذهب؟ وأين جاء؟ ولكن ذلك قد يلفت الانتباه إلى أنّ السارد الأوّل للحكاية كان ينوي أن يسند دوراً آخر لشاه زمان قد يكون أكثر تشويقاً في صياغة الكتاب، فعلى سبيل المثال، أن يتواجد شاه زمان في الحكاية ليحاول ثني شهريار عن الاستمرار في الاستماع ومحاولة دفعه إلى قتل شهرزاد.

في حين نجد أنّ (دنيا زاد) كانت أيضًا محركًا فاعلاً في الحكاية الإطار؛ فإذا كانت شهرزاد هي من قدمت نفسها لتنقذ بنات جنسها فإن (دنيا زاد) قامت بدور خطير في الحكاية؛ إذ إنها هي من طرق موضوع البدء بالحكي (فقالت لها أختها بالله عليك يا أختي حديثينا حديثا نقطع به ليل سهرتنا / فقالت حبا وكرامة إن أذن لي هذا الملك المهذب/ فلما سمع ذلك الكلام وكان به قلق فرح بسماع الحديث) ثم في نهاية الليلة نجد (دنيا زاد) تجمّل حديث أختها في عين شهريار (ما أطيب حديثك وألطفه وأعذبه/ فقالت لها وأين هذا مما سأحدثكم به الليلة المقبلة إن عشت وأبقاني الملك) فنصل بذلك إلى قرار الملك بتأجيل فعل القتل، القرار الذي سيؤجل كل ليلة حتى يتم إلغاؤه في الليلة الأخيرة.

إن وجود دنيا زاد في اليالي الأولى وظهورها بشكل متقطع وهامشي فيما بعد يؤكد وجود نية سردية كامنة في خيال السارد الأوّل بإسناد دور مطوّل لها في الحكايات.  

إن فكرة تعاقب المؤلف والزمن على كتاب (ألف ليلة وليلة) تؤيد فكرة إعادة الصياغة وإعادة إنتاج النّص وتوجيهه من جديد. والقارئ للنص إذا أطلق العنان لخياله فقد يجد نفسه أمام عدة سيناريوهات مختلفة، وسنعرض هنا السيناريو الذي نفترض أنّ السارد الأوّل اشتغل عليه.

يفترض السيناريو أنّ (شاه زمان) سيلعب دور التحريض والسعي إلى جعل شهريار يستمر في قتل الفتيات، كما يفترض أن (دنيا زاد) تلعب دوراً معاكساً يغطي أي ضعف يظهر في حكايات شهرزاد ويقتل أي ملل قد يصيب شهريار.

 

ووقوف دنيا زاد في معاكسة شاه زمان يفترض الوقوع في الحب مثل كل حكايات الحب التي تبدأ بالمشاكسة.

 

الأمر الذي قد يقود إلى دخولهما متن الحكاية والمشاركة فيها (دنيا زاد تحكي وشاه زمان يستمع) تبادلاً للأدوار مع شهرزاد وشهريار.     

لفهم الموضوع بشكل أكبر وبتأمل خاتمة الحكاية نجد أنّ شهرزاد في الليلة الأخيرة تحضر الأولاد الثلاثة الذكور التي أنجبتهم طيلة فترة الحكي وتستشفع بهم لدى الملك شهريار ليعفو عنها بعد أن قبّلت الأرض بين يديه، وبذلك يظهر قصد السارد المتطفل على الحكاية بأنّ العفو عن المرأة جاء بشفاعة الذكر ولأجله تستمر في الحياة.. ومن هنا يأتي قيام السارد الوارث للنص بتهميش دور شاه زمان ودنيا زاد فهو لا يريد للصراع في ألف ليلة وليلة أن يكون (صراع بين الرجال والنساء: الأنثى في مواجهة الذكر) فالمسألة عنده محسومة مسبّقا.. لصالح الذكور طبعاً. 

وهذا التعديل الجوهري على الحكاية الإطار في قصص "ألف ليلة وليلة" يشير إلى طبيعة العقل الشعبي الذي لعب بالنّص الأصلي وعدّل عليه؛ إذ إنه عقل ذكوري ينتصر للرجل ويُعلي من شأنه في مقابل الانتقاص من المرأة وإعلان الانتصار عليها.