شاهد "ابن سينا" موسوعة العلم السابق لزمانه

تاريخ الإضافة الجمعة 18 أيار 2018 - 11:28 ص    عدد الزيارات 458    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن، منوعات

        




ابن سينا محور نقاش لكثير من أساتذة وفلاسفة العصر الحالي، ويمثّل أوج ذلك كتاب "نظرية المكان في فلسفة ابن سينا" الجزء الثالث من "موسوعة المكان"، التي قدّم خلالها الباحث وأستاذ الفلسفة العراقي حسن مجيد العبيدي كتابيه: "نصوص المكان في الفلسفة اليونانية"، و"نصوص المكان في الفلسفة الإسلامية" في إصدار مشترك لعدد من دور النشر.


وانطلاقا من ذلك، يعود العبيدي (1953) إلى الجذور الفلسفية لنظرية المكان ما قبل ابن سينا؛ متتبعاً ثلاثة اتجاهات: الأول يذهب إلى إنّ المكان سطح الجسم الخاوي بحسب الكندي والفارابي، وإخوان الصفا، وفلاسفة بغداد، والثاني يرى أنّ المكان بُعداً، كما قال بذلك الرازي، ولكنهم أي اصحاب هذا الاتجاه أقرّوا بوجود الخلاء في العالم، والثالث هو اتجاه ابن الهيثم الذي عارض فيه الاتجاهين السابقين، بأدلة معرفية عديدة.

 

ويبيّن الباحث العراقي أنّ ابن سينا نظَر إلى المكان بشقيه: المكان الطبيعي (مُلاء) بضم أوله، والمكان المجرد (خلاء)، لافتاً إلى إنّ دراسة ابن سينا للمكان كانت معالجة فلسفية علمية دقيقة، حيث لم تخل دراساته من نطاق الفيزياء والمنطق، غير مغفلٍ الانتقادات التي وُجهت لها، ولكن ما قدّمه في زمنه يؤشر على مدى تطوّر فكره وتجاوزه لمعاصريه آن ذاك.

وقد أخذ كل من الغزالي وأبي البركات البغدادي والفخر الرازي والإيجي بمنهج ابن سينا في دراسة المكان، وتأثروا ببحوثه ونتائجه، رغم إبداء بعضهم النقد تجاه آرائه.
 

ويشير العبيدي أستاذ الفلسفة في "الجامعة المستنصرية" في بغداد، إلى الأثر البارز الذي تركته نظريات ابن سينا سيما "المكان" وإسهاماتها في الثقافة العربية والإسلامية من بعده، إذ مثّلت أفكاره فلسفية في زمانها، وغدت مرجعية للعديد من الفلاسفة العرب والمسلمين. على حدّ قوله.



سيرة ابن سينا

وهو أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، ولد عام 980م في قرية أفنشة الواقعة بالقرب من مدينة بخارى الواقعة في أوزباكستان، حيث كان والده فارسيّ الأصل من مدينة بلخ من أفغانستان وأمه من قرية خرمتين الواقعة في بخارى، وقد عُرف بعدة أسماء، منها: الشيخ الرئيس، وأبو الطب الحديث، وأمير الأطباء، إذ إنّه ألّف مئتي كتاباً في مواضيع متعددة.

رحل ابن سينا إلى مدينة بخارى، ودرس في مدرستها، ثمّ التحق ببلاط السلطان نوح بن منصور الساماني، الذي أسند إليه متابعة أعماله المالية، وقد بدأ بعدها برحلته التعليمية، حيث حفظ القرآن الكريم كاملاً، وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، ثمّ درس علوم الفلسفة، والفقه، والطب، والأدب، علماً أنّه درس الفلسفة على يد العالم البخاري أبو عبد الله النائلي الذي تفرّغ لتدريسه كتاب (المدخل إلى علم المنطق)، والمعروف باسم إيساغوجي، وقد استمر مع معلمه هذا إلى أن غادر بلدة بخارى، وقد كان متوقد الذكاء، ذا موهبة فذة، وعبقرية واضحة.

تعلم ابن سينا حساب الهند، وعمل بالفقه، وألّف طرق المطالبة ووجه الاعتراض على المجيب، ثمّ درس لوحده كتاب إيساغوجي، وكتاب إقليدس، وأحكام المنطق، وفهمها، واستمر في تعليم نفسه بنفسه، حتى أصبح طبيباً وعالماً وفيلسوفاً، إذ إنه يعتبر أول من كتب عن الطب متبعاً في ذلك منهج جالينوس وأبقراط، حيث كتب القانون في الطب وهو أشهر أعماله كونه ظل مرجعاً رئيسياً لعلم الطب مدة سبعة قرون، ولا يزال العمدة في تعليم هذا الفن، ولا بد من الإشارة إلى أنه أول من وصف أسباب اليرقان، والتهاب السحايا، وأعراض حصى المثانة وصفاً صحيحاً، كما ولم يغفل أثر المعالجة النفسية في شفاء المريض.

استطاع ابن سينا أن يرصد مرور كوكب الزهرة عبر دائرة قرص الشمس بالعين المجردة، وقد أقر العالم الفلكيّ الإنجليزيّ جيرميا روكس ذلك، وكما قام بدراسات فلكية وهو في أصفهان، وهمذان، ثمّ اشتغل بالرصد، وابتكر جهازاً لرصد إحداثيات النجوم.

نجح ابن سينا في علم وضع أسس علم طبقات الأرض، مثل تكوين الحجارة، والمعادن، والجبال، إذ يرى أنّها تكوّنت من طين لزج وخصب، إضافةً إلى أنّه تحدّث عن الزلازل وفسّر أسباب حدوثها، ووضّح كيفية تكون السحب، ووجد أنّ البخار هو أصل السحب، والمطر، والجليد، والثلوج، والبرد، والصقيع، وقوس قزح.

اهتم ابن سينا اهتماماً خاصاً بعلم النبات، حيث أجرى مقارنات علمية بين أزهار النباتات، وجذورها، وأوراقها، كما وصفها وصفاً دقيقاً، وتعرض لأنواع التربة، والعناصر المسؤولة عن نمو النباتات، إضافةً إلى أنّه تحدث عن ظاهرة المساهمة في النخيل والأشجار.

رحل ابن سينا إلى أصفهان، وتلقّى فيها رعاية الأمير علاء الدولة، إلا أنه كان يمرض أسبوعاً، ويشفى أسبوعاً، مما جعله يكثر من تناول الأدوية التي لم تجدِ نفعاً، حتى توقّف عن تناولها، ثمّ اغتسل وتاب، وتصدّق بأمواله إلى الفقراء، وأعتق غلمانه، ثمّ توفي عام 1037م عن عمرٍ يناهز الثامنة والخمسين عاماً، وقد دفن في همدان الواقعة في إيران.

 


المصدر: +INP + العربي الجديد