الأديب الموصلي ناهض الرمضاني .. "بائع الأمل" في بلاد الحروب

تاريخ الإضافة السبت 12 أيار 2018 - 4:43 م    عدد الزيارات 142    التعليقات 0    القسم ثقافة وفن، منوعات

        



بائع الأمل الذي يبعثر حروفه في الهواء كل صباح عسى أن تصل بعض البشر مع كل شعاع شمس يخترق الحواجز ويكسر حدة الظلام معلنا عن يوم جديد.
 

عشر مسرحيات وثلاث روايات وكتاب نقدي وبرنامج تلفزيوني ثقافي واشتغال على أدب الأطفال، رحلة طويلة مليئة بالمفارقات التي جسدها الروائي والمسرحي ناهض الرمضاني الذي تفرغ مؤخرا للكتابة إيمانا منه بدورها في الفترات المقبلة كما يقول.

 



هل العمل في الجيش أثر على الشخصية الأدبية لناهض الرمضاني؟ 
 

تجربتي العسكرية  كانت درسا قاسيا لي، ترك بصمة لن تمحى على روحي ومن ثم على مجمل نتاجي الأدبي، قسوة تجارب الحرب تترك أثرا كبيرا في الآمال الأدبية لأنها تجربة فريدة لكل شخص، رغم عمومتيها، ولأن كثيرا من المواقف التي تحدث في الحروب قاسية وغريبة لدرجة لا يستطيع كثير من المدنيين تخيلها.
 

الحروب تركت بصمتها على مجمل النتاج الأدبي الإنساني، ليس ابتداء بالإلياذة وليس انتهاء بالحرب والسلام. 

 

هل تعد تأثرات العقلية العسكرية مغايرة لحد كبير لعقلية الأديب أم لا؟ 
 

لا أظن أن هناك عقلية عسكرية مستقلة، هناك نمط حياة عسكري، داخل هذا النمط هناك عقليات مختلفة، تمثّل كامل الطيف الإنساني من أقصى الخير إلى أقسى الشر، وبالمقابل  ليس هناك ما أستطيع أن أسميه عقلية أدبية، فكتابات "المركيز دوساد" لم تنتج عن عقلية مشابهة لعقلية تولستوي مثلا. 

 

أيهما كان أكثر تأثيرًا العسكرية أم التجارب الأخرى؟ 
 

تجربتي في الحياة طويلة ومتنوعة ولا يمكنني أن أختصرها بالسنوات الست، التي قضيتها في الجيش، عشت فترات طويلة خارج العراق. وعدت للعراق بعد سقوط نظام الحزب الواحد لأعيش فنتازيا الاحتلال الأمريكي، والتي نتج عنها حرب أهلية استمرت لسنوات، وانتقلت المعارك من خطوط الجبهات على الحدود إلى مدينتنا الموصل وإلى الشارع الذي فيه بيتي، وأصبح مألوفا لنا أن نرى جثث القتلى مرمية في الشوارع أثناء خروجنا اليومي للعمل.  
 

هذه الفنتازيا البشعة استمرت سنوات. وجسدتها في روايتي القصيرة "أنيس في بلاد العجائب".

 

كتبت مسرحية بعنوان "بروفة لسقوط بغداد" وكانت الشخصيات الرئيسية الأربع من النساء لماذا؟
 

كنت أعيش في ليبيا وأراقب بقلق شديد ما سيحدث للعراق، كان ذلك في نهاية القرن العشرين تماما، كتبت بروفة لسقوط بغداد عام 1999 واستوحيت أحداثها من التاريخ، من قصة سقوط بغداد على يد هولاكو في القرن الثالث عشر.  
 

لم أكتب المسرحية بشكل فني مباشر وحملتها رسائل ضمنية كثيرة، وهي في حقيقة الأمر مسرحية داخل مسرحية، الأولى نص تاريخي يحاول الإجابة عن سؤال كان ولا يزال مطروحا بشدة في العالم العربي، وهو "هل يجوز خيانة حاكم أحمق أو دكتاتور والتعاون مع أعدائه؟؟"، النص الثاني للمسرحية هو حوار الممثلين الذين يقدمون النص الأول، سنكتشف أنهن فتيات أو طالبات جامعيات يقرأن هذا التاريخ، ويحاكمنه، ويرفضنه.  

 

كيف ترى التحولات التي مر بها العراق بعد الاحتلال 2003؟ 
 

هل للمأساة وجه مشرق؟ أو ربما يصبح مشرقا؟ لا أدري، أتمنى ذلك.. تغيير نظام البعث الدكتاتوري، تم من الخارج، والأصابع الخارجية ما زالت فاعلة للغاية في تشكيل المشهد السياسي في العراق، لذا استمر الوضع مضطربا حرجا قلقا، ولا يمكننا التكهن بالنهاية التي قد يصل إليها مع أنني أتمنى من أعماقي أن تهدأ الأوضاع، وأن يتمكن العراقيون من عيش حياة طبيعية فهم يستحقون ذلك.  

 

العراق ما قبل 2003 وما بعده كيف يمكن قراءة الحالة الأدبية؟ 
 

خلال سيطرة حزب البعث على السلطة كان المشهد الثقافي العراقي موجها من قبل السلطة، ومسيّرا باتجاهات محددة سلفا، ولا يسمح بحرية الكتابة لأن حرية الكتابة قد تؤدي بالكاتب إلى مصير مجهول. وباستثناء بعض الكتّاب المعارضين المقيمين في الخارج فإنّ مجمل الأدب العراقي كان مدجنا ومكرسا لمصلحة نظام الحزب الواحد، في نمط مشابه للنمط الستاليني.  
 

بعد دخول الاحتلال الأمريكي تغيّر المشهد وتشظى تماما، لم يعد هناك مركز ولا توجيه مباشر، وبدأت بعض قطعان المثقفين تبحث عن رعاة جدد لها، فمنهم من كرّس نفسه لخدمة أحزاب وافدة، ومنهم من كرّس نفسه لخدمة شخصيات سياسية نافذة، وآخرون انتهزوا فرصة غياب الرقابة فانتجوا نصوصا شعرية أو أدبية سجلت اعتراضاتهم على كل ما يجري ودفعوا ثمنا مباشرا لموقفهم من دمهم، وتمت تصفيتهم على يد الفصائل المسلحة المحلية أو الأجنبية التي كانت تسرح وتمرح في العراق.  

 

ما هي الأعمال التي جسدت فترة من حياتك؟
 

هناك شيء من معاناتي الشخصية في معظم نصوصي، لكن روايتي "بائع الأمل" هي وثيقة بقدر ما هي رواية من السيرة الذاتية، وثيقة تؤرّخ للمراحل الثلاث التي مرّ بها العراق خلال الفترة الزمنية التي عشتها، فترة الحرب ثم الحصار الدولي القاسي على العراق، وأخيرا الهجرة الكبرى للعراقيين خارج البلد. إنها حكاية الإنسان العراقي العادي وهو يعيش تحولات كبرى تؤثّر فيه، دون أن يكون قادرا على أن يوقّفها أو يغيّرها، هي بشكل ما مشابهة لتيمة رواية الدكتور زيفاكو للروائي باسترناك. 

 

أنت من مواليد الموصل والعالم يتساءل لماذا كانت هي الحاضنة الأكبر لـ"داعش"؟!
 

لأن الجغرافيا هي من تصنع التاريخ، قضية دولة الخلافة في الموصل مسألة ظاهرها غير باطنها، ما ظهر منها هو اجتياح قام به مئات الأشخاص بأسلحة خفيفة وسيارات مدنية ليستولوا على مدينة سكانها 3 ملايين نسمة، وفيها 60 ألف عسكري مجهزين بأسلحة ثقيلة ودبابات وسلاح جو، وبدون عنصر مفاجأة أيضا، خاصة أن المدينة كانت تحت حظر التجوال لأيام سبقت الاجتياح وكانت تترقّبه. 
 

تم تسليم المدينة وأهلها لهذه القوة، ولم يُحاسب الضبّاط ولا السياسيين الذين قاموا بتسليمها، أما عن كون المدينة كانت حاضنة لـ"داعش" فهذا تزييف متعمد للحقيقة.
 

وقد استطاعت تلك القوة الاستمرار بتقدمها، واحتلت ثلث مساحة العراق تقريبا خلال أسبوع واحد. هناك قاعدة ثابتة يستخدمها الحواة والسحرة ويشتركون فيها مع رجالات السياسة وهو لفت الأنظار إلى مكان ما، كي يتمّوا خدعتهم، أي جعلنا ننظر إلى المكان الذي لا تتم فيه الخدعة حقا.  
 

الجغرافيا التي وضعت الموصل في ممرات الطاقة، وقربها من بعض حقول النفط والغاز العملاقة، هي المسؤولة عن معظم ما جرى للمدينة، تلك المدينة التي لا تخلوا أيضا من متطرفين خلقتهم ظروف الاحتلال والقهر الاجتماعي والاقتصادي الذي رافقه. 

 

برأيك هل تخلى الأدباء عن دورهم أم أُجبروا على ذلك؟ 
 

أنت تعني المثقفين عموما ودورهم في المجتمع، هناك حالتين كما يبدو ولا ثالث لهما الآن، فإما أن يكون المثقف خاضعا لقوة سياسية ومسؤولا عن تلميعها ومسنودا من قبلها، أو يكون مقصيا ملاحقا ولا يسمح له بلعب أي دور في المجتمع. 



سيرة ذاتية
 


 

ناهض عبد الله يعقوب الرمضاني (ناهض الرمضاني) من مواليد مدينة الموصل في عام 1964م حاصل على بكالوريوس آداب من جامعة الموصل عام 1987، وعلى بكالوريوس علوم عسكرية عام 1989، كما حصل على ماجستير تربية (لغة عربية) تخصص أدب حديث، نُشرت أول قصة له في مجلة الطليعة العراقية عام 1983، وفاز بالمرتبة الرابعة في مسابقة القصة القصيرة جداً التي أقامتها مجلة التضامن عام 1987 ضمن أكثر من خمسة آلاف مشترك من كافة أنحاء الوطن العربي. وحصل على جائزة الشارقة للإبداع الأدبي) لعام 2002. وجائزة (غانم غبّاش) للقصة القصيرة عن قصة (غيث). وجائزة (جمعية المسرحيين الإماراتية) عام 2003 عن مسرحية (بروفة لسقوط بغداد) التي عُرضت في مصر وقطر وعمان. وجائزة الفجيرة للمونودراما 2009 عن مسرحية جوف الحوت… ومن مسرحياته الأخرى (مسرحية من فصل واحد)، مسرحية (أمادو) التي قُدمت في السعودية وسوريا والمغرب والهند وألمانيا وعُرضت أكثر من مرة في العراق، مسرحية (نديم شهريار)، والمسرحية الصامتة (حكاية هوهو) التي نشرت عام 2006.

 


المصدر: سبوتنيك