الإعلان التخميني لعدد العراقيين: أسباب المماطلة بتنظيم إحصاء سكاني

تاريخ الإضافة الجمعة 22 كانون الأول 2017 - 11:39 ص    عدد الزيارات 214    التعليقات 0    القسم العراق

        



فتح إعلان وزارة التخطيط العراقية، السبت الماضي، عن ارتفاع عدد سكان العراق إلى 37 مليون نسمة، مجدداً باب الجدل حول سبب عدم إجراء إحصاء سكاني في البلاد منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003، ورفض بعض الكتل السياسية لإجراء الإحصاء وإعاقته، وإصرار كتل أخرى على إجرائه، رغم وجوده كبند رئيس في الدستور العراقي.

 

الإعلان التخميني لوزارة التخطيط حول عدد سكان العراق لا يستند إلى قاعدة بيانات خاصة أو معلومات دقيقة، إذ إنه يتم في العادة الاعتماد على البطاقة الغذائية السنوية التي تصدرها وزارة التجارة للعوائل العراقية، وهي غير دقيقة، إذ تسود حالة الفساد المالي فيها وسبق وأن أعلن مسؤولون عراقيون مطلع العام الجاري عن وجود أعداد مهولة من البطاقات الوهمية التي تم إصدارها لأشخاص "فضائيين" (غير موجودين أصلاً) أو لأشخاص متوفين أو مفقودين أو مهاجرين خارج العراق.

 

وبحسب بيان الوزارة، فإن معدّل النمو السكاني في العراق بلغ 2.61 في المائة، وأن معدّل الذكور أعلى من الإناث بواقع 51 في المائة. ونظم العراق قبيل الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003 آخر تعداد سكاني، ونُفّذ بشكل ميداني، وأظهر ارتفاع عدد السكان إلى 28 مليون نسمة، يشكّل الذكور منهم حوالى 60 في المائة، في حين أنّ فئة الشباب بين 18 و40 عاماً هي الأغلبية بين السكان.

 

ورغم إعلان الأمم المتحدة في أكثر من مناسبة عن استعدادها لمساعدة العراق على إجراء التعداد السكاني، إلّا أنّ أياً من الحكومات التي توالت على البلاد لم تتمكّن من تنفيذه بسبب الخلافات السياسية، إذ تصرّ بعض الأطراف على تضمين حقل المذهب السني والشيعي، وأخرى تطالب بتضمين لقب العشيرة وتتعدى بطبيعة الحال إلى مطالبات بتضمين القومية بين عربي وكوردي وتركماني وآشوري، عدا عن معضلة كركوك والمناطق المتنازع عليها الأخرى، بينما تبقى حالة اللادقّة في توزيع الثروات ومقاعد البرلمان والاستحقاق في التوازن الوظيفي في مؤسسات الدولة قائمةً بما يخدم أطرافاً سياسية في العراق دون غيرها.

 

وتوجب الفقرة الثانية من المادة 140 في الدستور العراقي الذي أقرّ عام 2005 على السلطات التنفيذية إجراء الإحصاء العام لسكان العراق في وقت أقصاه كانون الأول/ ديسمبر من عام 2007. إلّا أنّ الإحصاء لم يتم حتى الآن، ما جعل جميع الخطط والمشاريع في المدن العراقية قائمة على التخمين والمزايدة السياسية والتفاخر بالعدد من قبل زعماء دينيين لمختلف الطوائف.


وينص أمر الحاكم المدني بول بريمر برقم 52 لعام 2003 والذي ما زالت تتمسّك به بعض الجهات السياسية على أن "يجرى تعداد عام لسكان جمهورية العراق بما في ذلك إقليم كردستان، على أن يتضمن التعداد ديانة كل شخص ثمّ طائفته، وكذلك الحال بالنسبة للقوميات العربية والكردية والتركمانية، وذلك تمهيداً لإجراء الانتخابات العامة الديمقراطية الحرة للمرة الأولى في العراق الحر". إلا أنّ هذا القرار تم تأجيله حتى عام 2005، ثمّ أجّل دستورياً لنهاية عام 2007. وفي عام 2008، تمّ تأجيله إلى إشعار آخر من قبل رئيس الوزراء حينها نوري المالكي، رغم تخصيص وزارة التخطيط مبلغ 205 مليارات دينار لعملية الإحصاء برمتها، وما زال المشروع ميتاً في أدراج الحكومة الحالية.

 

ويمكن للإحصاء في العراق أن يحلّ الكثير من الأمور، من بينها ملف كركوك وطريقة إدارتها وتوزيع مقاعد البرلمان على المحافظات بشكل عادل وفق النسبة السكانية المقرة في الدستور وهي نائب واحد في البرلمان لكل مائة ألف مواطن، بدلاً من الاعتماد على التخمين لسكان كل محافظة بما يخدم أجندات بعض القوى السياسية، إلا أنّ كل محافظة ستأخذ حصتها من الموازنة العامة للدولة وفقاً لتعداد سكانها. كما أنّ التعداد سينهي الجدل والخلافات اليومية في العراق حول قانون "التوازن الوظيفي" في دوائر الدولة، ومنها الجيش والشرطة ورئاسة الوزراء. وفضلاً عن ذلك، فإن العراق سيتمكّن اقتصادياً من رسم خططه السنوية والخمسية والقضاء على عبارة نحو أو زهاء أو أكثر من أو قرابة، التي ترفق في التخصيصات المالية "المليارية"، وتسمح بهامش كبير من الفساد في الدولة.

 

وحول ذلك، يقول عضو البرلمان العراقي حامد المطلك، إن العراق اليوم بأمسّ الحاجة لإجراء إحصاء سكاني شامل في البلاد، كونه سيحلّ الكثير من المشاكل، "لكن يجب أن يكون إحصاء للعراقيين، لا إحصاء للطوائف والديانات بشكل يعزز الطائفية بالعراق ويمنع قيام دولة مدنية حرة". ويضيف، أن "دعوات تحديد الطائفة أو المذهب في التعداد ليست مطلب الشعب العراقي الذي لا يعترف بذلك، بل هي مطلب أحزاب سياسية تعيش وتنمو بالطائفية وتموت من دونها"، وفقاً لقوله.

 

من جهته، يقول القيادي الكوردي في التحالف الكوردستاني ماجد شنكالي، إن هناك "أمراً دستورياً منصوصاً عليه بالمادتين 110 و140 يوجب الإحصاء، وهو في النهاية ليس لمعرفة عدد العراقيين فقط، بل يشمل معرفة عدد العاطلين الفقراء والمعوّقين والموظفين في القطاعين العام والخاص والكفاءات والعازبين والمتزوجين والكهول والشباب والإناث والذكور والمتعلمين والأميين، وحتى عدد المشاريع التجارية وجدواها، ورصد جملة كبيرة من الأمور المهمة"، مضيفاً "أعتقد أنّ عدم إجراء التعداد كان لأسباب سياسية معروفة، كون الإحصاء سيبيّن النسبة الحقيقية في بعض المناطق، وهذا لا يخدم بعض الجهات التي تماطل في إجرائه".

 

 أمّا القيادي في التحالف الحاكم في العراق صادق المحنا، فيؤكد، أن "موضوع التعداد السكاني مهم بالنسبة لنا كتحالف وطني"، معتبراً أنّ البطاقة التموينية التي يتم حالياً عن طريقها احتساب عدد العراقيين سنوياً "غير دقيقة وفيها تزوير كبير، وهذا التعداد يحسم لنا الجدل". ويضيف "الأمور السياسية هي التي عطلت التعداد، وخصوصاً الإخوة الكورد الذين كانوا يريدون تعطيله بسبب كركوك"، مؤكداً "الآن نحن كتحالف وطني لا مشكلة لدينا بإجراء الإحصاء".

 

ويعتبر إحصاء عام 1919 الذي أجري في عهد الاحتلال البريطاني، الأول في التاريخ الحديث الذي يشهده العراق. واعتمد البريطانيون آنذاك على فرق عسكرية لإحصاء السكان.

وأظهر هذا الإحصاء أن عدد سكان البلاد وقتها مليونان و800 ألف نسمة فقط، مع احتلال بغداد والموصل والبصرة نسبة الكثافة السكانية الأكبر في البلاد. واحتوى الإحصاء على التصنيف الطائفي والقومي في حينها، على شكل مسلمين سنة وشيعة، ومسيحيين كاثوليك وأرمن وبروتستانت وأرثوذكس، بينما اكتفى بذكر الديانة اليهودية تحت تصنيف ديانة رئيسة، وذكر الديانات الأخرى كالصابئة والشبك والأيزيديين والزرادشتية ضمن خانة ديانات أخرى. وبعد انتهاء الاحتلال البريطاني للعراق، رفعت في العهد الملكي خانة الطائفة والمذهب وأبقي على عبارة عراقي فقط.

 

وفي عام 1947، أظهر الإحصاء ارتفاع عدد سكان العراق إلى 4 ملايين و900 ألف نسمة، تلته سلسلة من عمليات الإحصاء، أبرزها إحصاء عام 1957 بواقع 6 ملايين ونصف مليون، ثمّ إحصاء 1987 بواقع 16 مليون نسمة، ثمّ إحصاء 1997 بواقع 20 مليون نسمة. وهو ما يعني حالياً أن عدد سكان العراق ارتفع في العشرين عاماً الماضية بواقع عشرين مليون نسمة بعد إعلان الحكومة العراقية، السبت الماضي، أن عدد السكان بات 37 مليون نسمة، وهو ما يدفع بكثير من الباحثين والمختصين إلى التشكيك بالرقم واعتباره غير منطقي.


المصدر: العربي الجديد