حكايات صادمة لمراهقات هربن من منزل العائلة نحو الشارع

تاريخ الإضافة الخميس 30 تشرين الثاني 2017 - 1:42 م    عدد الزيارات 8219    التعليقات 0    القسم منوعات

        



مقابلة فتاة في سن السابعة عشرة ”تريد بدء حياتها من جديد“

يعود السبب وراء تأسيس جمعية ”مشروع BOND“ غير الربحية (NPO) في عام 2009 والتي تقوم بالاستماع إلى الفتيات في سن 10~29 سنة، ونقل معاناتهن، ووصلهن بالدعم الضروري، وتأمين مكان للتواجد فيه من أجل حمايتهن من الظروف القاسية ودعم استقلالهن الذاتي، والسبب وراء البدء بهذه النشاطات إلى مقابلة فتاة تتسكع في حي شيبويا في منتصف الليل لوحدها.

 

jقول تاتشيبانا جون مصدرة لمجلة ”VOICES“: " في ذلك الوقت، كانت حياتي اليومية عبارة عن القيام بحمل المجلة المجانية ”VOICES“ التي صدر عددها الأول في عام 2006 في يدي،  ومحاولة الحديث مع الفتيات اللواتي يلفتن انتباهي في المدينة ليلا والاستماع لهن.

 

قلت لها ”أنا اسمي تاتشيبانا جون وأقوم بإصدار مثل هذه المجلة. فهل من الممكن أن تُسمعيني قصتك؟“.

 

قامت الفتاة بأخذ مجلة ”VOICES“ بيدها وعلامات الاستغراب تبدو على وجهها، وقامت بتقليب صفحاتها بشكل عشوائي وقالت لي ”لا بأس“. وعندما سمعت قصتها، عرفت أن عمرها 17 سنة واسمها ”أيومي“ (اسم مستعار) وجاءت من شمال شرق اليابان بعد أن تركت المنزل قبل ثلاثة أيام. في ذلك الوقت كانت تنتظر رجلا سيقوم بدعوتها لتناول الطعام معه تعرفت عليه بعد أن كتبت في مواقع التعارف عن طريق الإنترنت ”أنا فتاة في سن السابعة عشرة وتركت المنزل حاليا. أبحث عن شخص يدعوني لتناول الطعام معه في شيبويا“. وعند سؤالها عن سبب ترك المنزل، قالت ”أريد أن أعيد ضبط حياتي التي عشتها حتى الآن في طوكيو“.

 

فما هي يا ترى الظروف التي تجعل شخصا في سن السابعة عشرة أن يفكر ببدء حياته من جديد؟ تحكي لنا أيومي عن قصتها وتقول: ”انفصل والدي عندما كنت صغيرة، وتعرضت للمضايقة في المدرسة، وتركت المنزل بسبب عدم التفاهم مع زوج أمي، وكنت أقوم بكسب النقود من خلال القيام بمواعدة الرجال مقابل أجر والعمل في الدعارة، وتركت المدرسة الثانوية وأنجبت طفلا في سن السادسة عشرة، وتزوجت ولكن لم تسر الأمور على ما يرام، فتم طردي من البيت.“ وغيرها من الأمور الأخرى.

 

تقول أيومي بكلمات يملؤها القلق ”أردت أن أبدأ حياة جديدة في مدينة لا أعرفها. ولكن حتى لو جئت إلى طوكيو فليس لدي معارف، ولا يوجد مكان للسكن ولا للعمل، ولا يوجد نقود، فكيف سأتدبر أموري؟“. إن مقابلة هذه الفتاة التائهة والتي ليس لديها مكانا للذهاب إليه كان له تأثير كبير على توجهاتي بعد ذلك.

 

ليس فقط القيام بنقل معاناة الفتيات

بدأت التفكير في أنني أريد أن أصبح كاتبة في سن الثامنة عشرة، ويعود السبب وراء ذلك إلى إجراء مقابلة معي من قبل إحدى المجلات. لقد كان ذلك قبل 28 سنة، لذلك لا أتذكر مضمون المقابلة جيدا، ولكن أتذكر أنه كان من السهل الحديث مع ”الكاتب“ الذي أجرى المقابلة معي. فلم يقم بوعظي مهما قلت له وكان يضحك لكلامي، وسألني أسئلة بإلحاح تقريبا واستمع إلى كلامي. في ذلك الوقت، كان وجود مثل هذا الشخص الكبير في حياتي أمرا جديدا. فحتى ذلك الوقت كنت أشعر بأن جميع الكبار هم كالأعداء. ولم أفكر لمجرد التفكير في كيف أريد أن أكون عندما أصبح كبيرة، وأعتقد أنني كنت عبارة عما يُسمى فتاة مراهقة في سن الثامنة عشرة لا تفكر في المستقبل وتكتفي باللحظة التي تعيشها إن كانت جيدة.

 

وبفضل مقابلة ”الشخص الذي من الجيد أن أصبح مثله“ في ذلك الوقت، بدأت حياتي تتغير. وأصبحت أهتم بالكبار، وأردت الاستماع إلى قصص أناس مختلفين، وأن أكتب جملا بكلماتي من أجل نقل قصصهم.

 

وبعد ذلك بفترة قصيرة، وبسبب تلك المقابلة، قابلت أيضا رئيس تحرير إحدى المجلات، وأصبحت أقوم بإجراء مقابلات وكتابة مقالات عن فتيات يعشن بطرق مختلفة. واستطعت الحصول على خبرة في العمل من خلال القيام بإعداد ”تقارير مصورة“ حول ”فرق السيدات“ (فرق خاصة بالسيدات فقط يسرن بسيارات تم تغيير أشكالها) في جميع أنحاء اليابان. وتزوجت في سن الخامسة والعشرين وأنجبت ابنتي الأولى، وفي عام 2006 قمت مع زوجي المصور KEN بإصدار العدد الأول من مجلة ”VOICES ~نقوم بنقل صوتك~“ وعلى نفقتنا الخاصة. وحتى وقتنا هذا تم إصدار 21 عدد من هذه المجلة بما فيها الأعداد الخاصة. ومن خلال هذه المجلة المجانية، قمنا بنقل قصص الأشخاص الذين فكروا بقطع أوردتهم في محاولة للانتحار، وعانوا من الحمل، الإجهاض، سوء المعاملة، ترك المنزل، مواعدة الرجال مقابل أجر، العمل في الدعارة، جنوح الأحداث، الانعزال الاجتماعي (هيكيكوموري)، والتعاطي المفرط للمخدرات وغيرها من الأمور الأخرى.

 

وعندما كنت أتوجه إلى وسط حي شيبويا أومنطقة كابوكيتشو الترفيهية في حي شينجوكو بهدف إجراء المقابلات، قابلت أيومي، وأصبحت أفكر بأنه من الضروري توفير مكان للفتيات اللواتي ليس لديهن مكان للذهاب إليه من أجل أن يقمن بالسعي لتحقيق الاستقلال الذاتي، مع العيش بشكل مطمئن، وليس فقط الاستماع لهن ونقل معاناتهن. لم تكن تدرك الكثير من الفتيات اللواتي أقابلهن في وسط المدينة الأمور التي يعانين منها بأنفسهن، ولم يستطعن تحويل رغبتهن بالحصول على المساعدة إلى كلمات حتى لو فكرن بذلك، ولم يكن يعرفن حتى بوجود النوافذ الحكومية. وبالإضافة إلى ذلك، فإذا أصبحن يحصلن على الحماية في المأوى، لا بد أن يقمن بالتخلي عن الهواتف المحمولة، والالتزام بالقواعد كـ ”طالب متفوق“، ولكن ذلك أيضا صعب.

 

وحتى لو تعرضن للضرر وعشن في ظروف قاسية، فليس لديهن شعور بأنهن ضحايا، ولديهن اعتقاد بأنهن يتحملن كامل المسؤولية، لأن الأمور وصلت إلى ما وصلت إليه بسبب ضعفهن. ويجب على الفور إنقاذ الفتيات اللواتي ليس لديهن الثقة بالنفس ويعشن في ظروف تجعلهن يفكرن حتى بالانتحار، ولكن مثل هؤلاء الفتيات علاقتهن قليلة مع الأشخاص الكبار الصادقين، وحتى لو تلقين نصائحا صحيحة، فلا يستطعن اتخاذ القرار والانتقال إلى تنفيذه بأنفسهن. وعلى الرغم من أن وجود أشخاص كبار يقتربون من نزاعاتهن ووجود أماكن للتواجد فيها هو أمر ضروري أكثر من أي شيء آخر، إلا أنه بسبب عدم قدومهن لأخذ الاستشارة يُعتقد أنه ليس لديهن معاناة أو مشاكل، ويتم التعامل معهن على أنهن ”غير موجودات“. ولا يوجد نظام للإنقاذ أو تدابير للتعامل معهن لأن أصواتهن لا تخرج. وتساقطهن من ثقوب شبكة الرعاية الاجتماعية هو أمر واقع. وليس من المستبعد أن يقمن بالتفكير ”بالموت والاختفاء من الحياة“ بسبب تلف أعصابهن من عدم المبالاة اليومية من البيئة المحيطة بهن.

 

كنت أتمنى لو كنت أستطيع بدور كدور ”المترجم“ الذي يقوم بنقل مشاعر وظروف الفتيات اللواتي لا يستطعن قول مشاعرهن الحقيقية، وشرح ما يقولوه الأشخاص الكبار الذين يقومون بتقديم الدعم لهن.

فقمت في عام 2009 بتأسيس جمعية ”مشروع BOND“ غير الربحية انطلاقا من رغبتي بتولي دور كدور المادة اللاصقة التي تقوم بالوصل بين مقدمي الاستشارة ومقدمي الدعم.

 

حتى لو طلبن المساعدة فلا يوجد مكان ”يهربن“ إليه

إن النشاطات التي تقوم بها جمعية BOND هي بالإضافة إلى تقديم الاستشارات عن طريق البريد الإلكتروني، والهاتف، والمقابلات، الاستماع إلى الفتيات مثل ”نافذة استشارات متنقلة“ من خلال إقامة غرف استشاراة على شكل ”مقاهٍ متنقلة“، والقيام بدوريات وإجراء استبيانات في الشارع. ثم الاتصال بمحامٍ إذا دعت الحاجة لذلك، ووصلهن مع مؤسسات مختصة أخرى. ونقوم بتقديم الرعاية المؤقتة، والدعم من خلال الذهاب معهن إلى البلديات، بالإضافة إلى تقديم الرعاية على المدى المتوسط والطويل، والحماية حتى تحقيق حياة الاستقلال الذاتي.

 

وازداد عدد حالات الاستشارة في عام 2016 ليصل إلى 12395 حالة عن طريق البريد الإلكتروني، و1979 حالة عن طريق الهاتف، و1105 حالة رعاية. وهناك حوالي 40 إلى 60 حالة استشارات جديدة في كل شهر.

 

الكاتبة وأعضاء من جمعية BOND يقومون بإجراء استبيان في الشارع في حي شيبويا (تصوير:KEN)

 

يتم إرسال نداءات استغاثة من قبل فتيات في سن 10~29 سنة يقلن فيها ”لا أستطيع العودة إلى المنزل لأن والداي يضربانني“، ”الآن أنا في فندق مع رجل تعرفت عليه في الإنترنت بعد أن تركت المنزل“ وغيرها من الرسائل. ومن بين الفتيات اللواتي تعرضن لسوء المعاملة والضرر الجنسي، هناك فتيات لا تعرف إلا أشخاصا كبارا يقومون بالضرر بهن واستخدامهن، وليس لديهن أي طريقة لطلب المساعدة. فنقوم بالتفكير سوية بطرق إيصالهن بالدعم الحكومي، ويقمن بقضاء ليلة واحدة في مأوى جمعيةBOND  في بعض الأحيان، ولكن عدد الحالات التي يتم وصلها بالدعم من خلال النظام الذي يستند إلى قانون رعاية الأطفال قليل.

 

فعلى سبيل المثال يتم تقديم الاستشارات في مراكز استشارات الأطفال تحت سن العشرين، ولكن يتم منح الأولوية في الرعاية للفتيات الصغار اللواتي تتعرض حياتهن للخطر، وبعد سن الخامسة عشرة يصبح من الصعب تقديم الرعاية للأطفال الصغار الذين يتعرضون لذلك. وتقل فرص وصلهم مع مراكز رعاية الأطفال وقاعات دعم الاستقلال الذاتي (مراكز تهدف إلى تحقيق الاستقالال الذاتي الاجتماعي للأشخاص بين سن الخامسة عشرة وحتى سن الثانية والعشرين مع الإقامة فيها). وهناك حالات لفتيات يواصلن تحمل الضرب والشتائم والاعتداءات الجنسية من قبل الآباء والأمهات ولا يقلن الحقيقة للناس لأنهن ”لا يرغبن بإظهار الآباء والأمهات بمظهر الأشخاص الأشرار“، وحتى بعد بلوغ سن الرشد لا يستطعن الهرب حيث يستمر تقييدهن نفسيا من قبل الآباء والأمهات. وحتى لو استطعن التفكير بـ ”الهرب“ بطريقة أو بأخرى، فلا يخطر على بالهن إلا ”ترك المنزل“ كطريقة للهرب. وأعتقد أن هناك ضرورة لتوفير الكثير من الأماكن التي تستطيع الفتيات اللواتي يتعرضن للضرر الهرب إليها، وأماكن يستطعن البقاء بها باطمئنان حتى تلقي المساعدات الحكومية، وأماكن للمعيشة على المدى المتوسط والطويل تساعدهن على الاستقلال الذاتي.

 

”بوند نو إيي“ من أجل دعم حياة الاستقلال الذاتي

من أجل العمل والعيش بشكل منفرد من الضروري توفر ظروف جسدية، ومالية، ونفسية. ولكن بسبب التعرض لسوء المعاملة لا يستطعن الذهاب إلى المدرسة أو العمل بسبب عدم الاستقرار النفسي، وبسبب ”الحاجة إلى موافقة الآباء والأمهات لعدم بلوغ سن الرشد“، ”وعدم وجود بيان عائلي“، ”وعدم المقدرة على إخراج البطاقة الشخصية من البيت“ لا يستطعن استئجار البيوت، ومن الصعب إيجاد مكان عادي للعمل. وفي الواقع، كطفل يتواجد في بيئة تحتاج للدعم، ليس لهن خيار لاختيار طريق البقاء على قيد الحياة إلا بالاعتماد على أنفسهن، وبالتالي يتعرضن إلى مخاطر مختلفة.

 

ويضطررن لبيع أجسادهن من أجل قليل من الطعام ومكان للنوم، ويطلبن المساعدة من البيئة ”المظلمة“ التي من الممكن العمل فيها من دون وجود بطاقة شخصية، ويقمن بإجهاد أنفسهن جسديا ونفسيا بسبب قلة الغذاء وحياة الشارع غير المستقرة وغيرها من الأمور. وكنتيجة لذلك، يؤدي ذلك إلى مشاكل وحوادث اجتماعية كحدوث حمل وولادة لا يرغبن بها، والتخلي عن أطفالهن أو إساءة معاملتهم، وجرح أنفسهن أو الانتحار.، والإضرار بالآخرين أو قتلهم وغيرها من الأمور، وبالتالي يعاني المجتمع من مخاطر كبيرة عند القيام بعزلهن.

 

وحتى لا تسقط الفتيات في دوامة اليأس السلبية، فإن الوقت اللازم للاستراحة في مكان من الممكن الشعور بالاطمئنان فيه، والاهتمام بصحتهن الجسدية والنفسية حتى يستطعن التفكير بالرغبة بالاهتمام بأنفسهن، ووقت الحصول على علاقات مع الأشخاص الآخرين هو وقت مهم. وأعتقد اعتقادا قويا أن هناك حاجة إلى رعاية تتناسب مع الوقت الحالي. لذلك قمنا بافتتاح منزل دعم حياة الاستقلال الذاتي ”بوند نو إيي“ في داخل مدينة طوكيو في نهاية شهر يوليو/تموز من هذه السنة. حيث يتم استقبال الفتيات في سن 10~29 سنة، ويقوم الأعضاء بالمبيت في الليل وتقديم الطعام لهن والاعتناء بهن. وأريد أن أعتقد أن اليوم الذي سيصبحن قادرات على تقرير طريقة حياتهن بأنفسهن سيأتي وحتى لو استغرق ذلك وقتا طويلا. وهناك شيء أريد أن أخبره للفتيات اللواتي يقابلننا في أصعب أوقات حياتهن وذلك لأنني أؤمن بأن لديهن القدرة على البقاء على قيد الحياة، ألا وهو ”شكرا لكن على إخبارنا بقصصكن. دعننا نراقبكن بهدوء.“.


المصدر: nippon