تقييم مثير لوزير الخارجية الإيراني قبل تصفية قاسم سليماني

تاريخ الإضافة الأحد 12 كانون الثاني 2020 - 10:35 م    عدد الزيارات 446    التعليقات 0     القسم سياسي

        


ياسر الزعاترة

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

يعرف الجميع أن المسافة بين قناعات الرئيس الإيراني وفريقه، وفي مقدمته وزير الخارجية ظريف، وبين قناعات المحافظين، هي أكبر من أن تخفيها التصريحات الدبلوماسية العلنية، لا سيما أن بعض العلني لا يخفيها أيضاً، وإن تراوح الأمر بين مرحلة وأخرى. ويتذكّر الجميع قصة الاستقالة التي تقدم بها ظريف قبل شهور.

 

كما يعرف الجميع أيضا حقيقة أن تولي ظريف لملف السياسة الخارجية، لا يجعله مشرفا عمليا على الملف، بل مجرد ناطق باسمه ومبرر لتحوّلاته، لأن الصانع العملي للسياسة الخارجية هو خامنئي نفسه، فيما كان قاسم سليماني هو الذراع الحقيقية لتنفيذه، بل تخطيطه أيضاً. أما روحاني، فحاله لا يختلف عن وزير خارجيته من حيث التأثير في السياسة الخارجية؛ وحتى بعض الداخلية أيضا.

 

مفاجأة ظريف التي نحن بصددها جاءت قبل وقت قصير من اغتيال سليماني (قصة الطائرة الأوكرانية جاءت كارثة أخرى)، ومحتواها يفسّر على نحو ما قرار الاغتيال، إذ لولا شعور الأمريكان بعمق المأزق الإيراني، لما تجرأوا على اغتيال الرجل الثاني في النظام.

 

لا تضيف مفاجأة ظريف الكثير من الناحية العملية لما قلناه مرارا حول المأزق الذي يعيشه مشروع التمدد الإيراني، لا سيما بعد مسلسل الاحتجاجات في العراق ولبنان، لكنه يمثل اعترافاً بالغ الأهمية يعكس حجم المأزق الإيراني؛ في ذات الوقت الذي يعكس فيه حجم الصراعات التي يعيشها النظام في الداخل، والتي كشفت عن نفسها أكثر فأكثر خلال موجة الاحتجاجات التي اندلعت قبل شهور، وبالطبع من خلال موجة تصريحات لرموز التيار الإصلاحي، بمن فيهم أولئك الخاضعون للإقامة الجبرية، مثل مير حسين موسوي، ومهدي كروبي، بجانب محمد خاتمي الذي قليلاً ما يظهر رغم أنه مطلق السراح.

 

مفاجأة ظريف جاءت خلال اجتماع هام في وزارة الخارجية قبيل نهاية العام الجديد. وكان لافتا إلى أن من كشف عنها هو موقع "سحام نيوز" التابع للتيار الإصلاحي، ما يعني أنها رسالة للمحافظين الذين يمسكون بزمام السياسة الخارجية.

 

ظريف تحدث عن فشل سياسات إيران في المنطقة، وأعاد ذلك الفشل إلى سياسات المرشد خامنئي و"فيلق قدس" في الحرس الثوري الإيراني، والذي يرأسه سليماني.

 

وقدّم قراءة تفصيلية لحالة الفشل التي تواجهها سياسات إيران؛ بدءا من العراق الذي أصبح الجو السائد فيه "معاديا لإيران، وتراجعت صادرات إيران إليه بشكل حاد جداً مقارنة بالعام الماضي بسبب الاحتجاجات المتواصلة".

 

وعن تراجع النفوذ الإيراني في أفغانستان قال ظريف: "في الوضع الأفغاني ومحادثات طالبان مع الأمريكيين، تم الاتفاق على إجراء تغييرات على الدستور الجديد، حيث سيتم تجاهل حقوق الناطقين باللغة الفارسية والشيعة فيه".

 

وعن اليمن، قال ظريف: "يعقد الحوثيون أيضا محادثات منتظمة مع السعودية في الوقت الحالي، وهم يبلغوننا بمضمون المحادثات، لكنهم لا يريدون أي مشورة منا". وقالوا لنا صراحة ألا نضعهم على الطاولة كورقة في محادثاتنا مع السعودية (لا أعتقد أنهم كانوا يجرؤون على قول ذلك لسليماني).

 

لبنان كان استثناء، برأي ظريف، وهو "أفضل من البلدان الأخرى، لأن إدارة الملف بيد أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله شخصياً". لكن واقع الحال أن مأزق الحزب هناك أصبح كبيرا رغم السيطرة الظاهرة على الموقف، بدليل حجم التمرد عليه وهجائه الذي لم يكن بهذا المستوى في أي مرحلة سابقة.

 

 

الموقع الإصلاحي علق على خلاصات ظريف بالقول إنها تكشف أن "تأثير إيران في المنطقة قد تراجع بشكل حاد جدا، وأن السياسة الخارجية للحرس الثوري قد وصلت إلى طريق مسدود، والدول التي استثمرنا فيها اقتصاديا وعسكريا تُحرق فيها صور المرشد الأعلى، والجو السائد فيها أصبح معاديا على نحو كبير لإيران".

 

يذكّرنا إصرار خامنئي على نهج ثبت فشله، بإصرار الخميني على استمرار الحرب مع العراق رغم رفض مساعديه ومستشاريه لذلك، وهو ما كلف بلاده الكثير الكثير، لكنه اضطر في النهاية إلى التراجع، واصفاً موقفه الجديد بأنه مثل "تجرّع كأس السم".

 

متى سيفعل خامنئي ذلك، ويفتح باباً للتفاهم مع دول الجوار على حل متوازن؟.. هذا هو السؤال الكبير. ولا شك أن الصراع الحالي بعد مقتل سليماني سيحدد المسار القادم، وقد يؤدي في ظل العقوبات إلى موجة احتجاج جديدة أكبر من سابقاتها.

 

الأمر المشابه لذلك في المنطقة يتمثل في سياسات أنظمة الثورة المضادة التي ثبت فشلها في تأديب الشعوب، لكن تلك الأنظمة تصرّ عليها، فتمضي من فشل إلى آخر، مع نزيف لا يتوقف.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.