من بعث الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية من مرقدها؟!

تاريخ الإضافة الأحد 9 أيلول 2018 - 3:29 م    عدد الزيارات 1775    التعليقات 0     القسم سياسي

        


عيسى الشعيبي

كاتب وصحافي أردني

بعد سبات عميق وطويل، استمر أكثر من ثلاثين سنة، غاصّة بالوقائع التاريخية، وحافلة بالتحولات السياسية، والتطورات الكيانية المتراكمة على خشبة مسرح الشرق الأوسط، انبعثت فكرة الكونفدرالية الفلسطينية الأردنية على حين غرة، سطرا مرتجلا من خارج النص المكتوب، الأمر الذي أثار دهشة واستغراب جمهورٍ سبق له أن حضر العرض من قبل، وحفظ كلام الممثلين وأدوارهم عن ظهر قلب، فيما أثار لدى النخب السياسية، خصوصاً على كلتا الضفتين المثقلتين بالهموم والاهتمامات، تساؤلاتٍ وهواجس وارتياباتٍ لا حصر لها، وأطلق، في الوقت نفسه، العنان لفيضٍ من المواقف المتطيّرة، إزاء ما قد يكون تغيّرا في الأولويات، أو تبدّلا مفاجئا في السياسات، المتقلبة بطبيعتها، لدى اللاعبين الكبار في هذه المنطقة المستباحة التي قلما يؤخذ رأي أهلها بالحسبان، أو يجري وضع مصالحها بعين الاعتبار.

إذ ما أن سرّبت وسائل إعلام إسرائيلية  فقرة قصيرة من لقاء مطوّل، أجراه الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع نشطاء من جماعة السلام الآن قبل أشهر، حتى ازدحمت الصحافة العربية والعبرية بتعليقاتٍ وسجالاتٍ ساخنةٍ، خلط فيها كتابٌ وسياسيون كثيرون بين الشحم والورم، أو قل بين الوهم والحقيقة، وبدا بعضٌ بيننا، على وجه الخصوص، كمن تم استدراجه، بسهولةٍ مفرطةٍ، إلى ساحة معركةٍ لفظيةٍ جانبيةٍ جديدةٍ ومثيرة، أين منها مطارحات معركة صفقة القرن التي لم تضع أوزارها بعد، حيث احتدم حول كل منهما النقاش، وتطايرت سهام الاتهامات بين المتربّصين بعضهم بعضا، على الرغم من أن هذه الفكرة، وسابقتها الصفقة المفترضة، فكرتان خشبيتان، لم يتم عرض أيّ منهما، ولا جرى تحديد أوان طرحهما، ولم يعرف أحد من المخاطبين بهما فحوى هذه الفكرة أو مضمون تلك الصفقة هذه على وجه اليقين.

ولعل المسألة التي كانت تستحقّ النقاش المستفيض، أكثر من أي أمر آخر متعلق بموضوعة الكونفدرالية هذه، وجرى تهميشها في واقع الحال، هي مسألة توقيت الإعلان عن تلك الفقرة الملتبسة من الحديث الذي ظل حبيس الصدور والأدراج طوال الأشهر الماضية، إلى أن اختارت جهةٌ استخباريةٌ بعينها، وعبر الصحافة الإسرائيلية، الإفراج عمّا بدا أنه، للوهلة الأولى، تحوّل مفاجئ في الموقف الرسمي الفلسطيني، اقتضته ضرورات صفقة القرن حسب اعتقاد بعضهم، أو أنه استجابة جبرية أملتها متطلبات عملية تكيّف سياسي، أدرجها بعضُهم في سياق ما يسمّيها تنازلاتٍ إضافيةً مجانية، أقدمت عليها القيادة الفلسطينية المفرّطة بالثوابت الوطنية، الأمر الذي من شأنه صبّ مزيد من الزيت على نار الخلافات الداخلية الناشبة، ومن ثمّة إضعاف الحالة الفلسطينية أكثر. 

لا تود هذه المداخلة أن تكون إضافة كميةٍ إلى جبل الكلام الهاذر عن الكونفدرالية، لا سيما في هذه اللحظة السياسية البائسة، ولا أن تدخل على السجالات حامية الوطيس، المفعمة بالاتهامات المتبادلة في الفضاء الوطني، الذاهبة مذهب إشعال مزيدٍ من الحرائق الجانبية. كل ما في الأمر رغبةٌ ذاتيةٌ مجرّدةٌ من الانفعالات الشخصية، حريصةٌ على التجرّد من التوظيفات السياسية، المكرّسة أصلا لخدمة طرفي الانقسام على الساحة الفلسطينية، ومن ثمّة إجراء مقاربة موضوعية هادئة، في مساق ما ينبغي القيام به من ضبطٍ للنقاش العام، بعيداً عن التهويل والمبالغة، على نحو يحول دون جعل حبّة الكونفدرالية هذه قبةً كبيرة، أي على العكس مما أراد المتربّصون صنعه بالحالة الفلسطينية، المهيأة أساسا للاشتعال بسرعةٍ قياسية، لدى إلقاء أصغر عود ثقاب في ساحة هشيمها الداخلية.

فات على كثيرين حقيقة أن الكونفدرالية فكرة غير قابلة للتحقق في الحالة الفلسطينية الراهنة، ولا في المستقبل المنظور، وأنها كما وصفها بعض منتقديها، بحق، كلامٌ هراء لا يستحق ثمن الحبر الذي كُتب به، الأمر الذي لا يسوّغ لعاقلٍ الاستزادة في القول إن هناك مؤامرة دولية، أو إن هذه هي أحد تطبيقات صفقة القرن، ناهيك عن سوْق الاتهامات الجزافية، وشن حملات القدح والذم، والاستطراد في نسج الحكايات وتلفيقها، واستهلاك الطاقات الذاتية الضئيلة المتبقية في معارك فرعيةٍ لا طائل من ورائها، تماماً على نحو ما بدا عليه الوضع خلال الأسبوعين الماضيين، حين لم يبق صاحب قلم، أو يتعفّف زعيم في فصيل عن الإدلاء بدلوه في بئر هذه الكونفدرالية الافتراضية.

والحق أن خيار الكونفدرالية مات وشبع موتا غداة طرحه أول مرة في أعقاب عقد أول اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني عام 1984 في عمّان، ودخول العلاقات الأردنية الفلسطينية في مرحلة تفاهم وانسجام غير مسبوقة، سمحت للجانبيْن التفكير بتطوير العلاقات بينهما، في إطار ما قد تنجلي عنه التطوّرات المحتملة في المستقبل القريب، وهو ما أدى بالنتيجة إلى حدوث اتفاقٍ غير مكتوب بين الملك حسين وشمعون بيريس، الذي كان في حينه يتناوب مع إسحق شامير رئاسة الحكومة في إسرائيل، تضمّن بصورة ما قيام اتحاد كونفدرالي بين الأردن وفلسطين، حين يتم التوصل إلى اتفاق سلام، غير أن شامير قوّض ذلك التفاهم، ثم أتت التطورات المتلاحقة آنذاك لتدفن هذه الفكرة تماما، ومن ذلك اندلاع الانتفاضة، وبعدها فك الارتباط الإداري والقانوني مع الضفة الغربية، وأخيرا توقيع اتفاق أوسلو، الذي أغلق الباب كليا على هذه الفكرة.

وقد تكون المرّة الوحيدة، التي جرى فيها تبادل كلامي قصير حول هذه الفكرة، حين قال أبو عمار للملك حسين؛ إن اتفاق الكونفدرالية في جيب سترته، فأجابه الملك إن عليك أن تبقيه في جيبك إلى حين إقامة الدولة الفلسطينية، وعندها سنتحدّث، الأمر الذي وضع حدا نهائيا لكل قولٍ آخر، وأهال على هذه الفكرة أطنانا من التراب، إنْ لم نقل إنه أسقطها من حساب سائر الأطراف المعنيّة، بما في ذلك الأردن الذي وقّع بعد اتفاق أوسلو معاهدة سلامٍ رسمت حدوده الغربية، وأبعدت عنه شبح الوطن البديل (الخيار الأردني) الذي كان هاجسا يؤرّق الأردنيين، ويشدّد من حذرهم المضاعف وحساسيتهم المفرطة، إزاء أي طرحٍ قد تفوح منه رائحة كريهة كهذه، بما في ذلك فكرة الكونفدرالية التي يبدو أنها لا تزال يقظةً في تلافيف العقلية الإسرائيلية، المسكونة بكل ما من شأنه الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية مستقلة.

لذلك لم تكن ردّة فعل الأردن السريعة (المخاطب أساسا بهذا الطرح) إزاء إعادة بعث الكونفدرالية من سباتها الطويل، ردّة فعل مفاجئة، عندما قالت المتحدثة باسم الحكومة إن هذه الفكرة ليست قيد البحث، وأضافت أنه يوجد للفلسطينيين حق في إقامة دولتهم المستقلة على أرضهم، فيما جاء كلام الملك عبد الله الثاني أكثر بلاغةً حين قال "الكونفدرالية مع مين؟ هذا خط أحمر"، وهو موقفٌ من شأنه أن يضع نقطةً كبيرة في آخر سطر هذه الفرضية، المفتقرة أصلا أدنى قبول رسمي أو شعبي من الطرف الفلسطيني الذي لا يمانع، على الأرجح، في إقامة هذا الشكل الاتحادي بين كيانيْن مستقليْن، وهو ما يقتضي بالضرورة الموضوعية إنهاء الاحتلال والاستيطان، على أن يتم ذلك بعد إجراء استفتاء مباشر لكلا الشعبين.

وعليه، ليس هناك في واقع الأمر طرح كونفدرالي حقيقي، يستوجب كل هذه الانفعالات، ولا هناك الآن مشروعٌ يستحقّ مزيدا من الإثارة والضجيج، وتحميل الأمور أكثر مما تحتمل، فلا الأردن يقبل على جيشه أن يتحوّل (بموجب هذه الفكرة) إلى حارس لحدود إسرائيل، ولا يوجد فلسطيني واحد يقبل التنازل عن القدس وعن الغور، ناهيك عن استثناء قطاع غزة، لقاء ثمرة عجفاء غير متناسبةٍ مع نضالٍ مجيدٍ ومرير، علما أنه لا توجد مشكلة لدى الأكثرية الكاثرة من الفلسطينيين للوحدة مع الأردنيين، حتى لا نقول إن لديهم القابلية، والاستعداد الكلي، لإقامة اتحاد فدرالي، على خلفية العلاقة التاريخية والاجتماعية العميقة والمتشعّبة، والتي أملتها حقائق الجغرافيا والوحدة الاندماجية السابقة بين الشعبين على كلتا ضفتي نهر الذي جفّفت منابعه إسرائيل.




المصدر: العربي الجديد

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.