مسح ملامح الدولة ببارود الفصائل المسلحة

تاريخ الإضافة الجمعة 29 حزيران 2018 - 4:54 م    عدد الزيارات 1896    التعليقات 0     القسم سياسي

        


محمد السيد محسن

كاتب عراقي

في الثالث من أكتوبر عام 1932م سجل العراق دولة، حينما تم تسجيله الدولة رقم 67 في عصبة الأمم، ومنذ ذلك التاريخ أصبح العراق دولة. ولم يكن وقتذاك قد تمكن من قرار سيادته بعد، حيث استطاعت بريطانيا تمديد الاتفاقية العراقية البريطانية 25 عامًا إضافيًا إلى أن يتمكن العراق من إدارة نفسه بشكل ذاتي. الأمر الذي أزعج العراقيين، وبالفعل بقي البريطانيون حتى جاء الجلاء بانقلاب عسكري قاده مجموعة من ضباط الجيش العراقي الذين تدربوا ودرسوا العلوم العسكرية على يد الإنكليز.
 

وتداولت على البلاد حكومات انقلابية متعددة حتى تم احتلال البلاد عام 2003 من قبل قوات أمريكية وبريطانية، بمساعدة خجولة من قوات إسبانية وإيطالية وبولندية. حينها ضاعت ملامح الدولة وعادت الأمور إلى مجلس مدني يقاد من قبل حاكم مدني أمريكي له سلطة قرار تعادل سلطة العراقيين المكونين لمجلس الحكم وهم 25 عراقيًا.
 

لماذا نقول ضاعت ملامح الدولة؟ لأنّ الدولة وفق المعطيات المنطقية تساوي القرار، فلا معنى لدولة لا تمتلك قرارًا، الأحرى أن يكون صاحب القرار هو الممثل للدولة والقائد الفعلي لها باعتبار أنّ الدولة تتشكل من شعب يقطن في بقعة محددة من الأرض تقودها هيئة حكومية تدير أمور البلاد وفق أنظمة متعددة للإدارة، أحيانًا يكون هناك مجلس لظرف استثنائي وفي أحيان أخرى يكون هناك تشكيل حكومي من مجموعة سلطات تنبثق ديمقراطيًا. بغض النظر عن شكل هذه الهيئات الحكومية، فإنّها أحيانًا لا تؤثر على شكل الدولة شرط أن يكون القرار من داخل الحدود وليس من ورائها.
 

قد يقول قائل إنّ كل الدول لا تتمتع الآن بهذه الميزة، لكنّ القرار في الدولة يبقى محدودًا بالهيئات المتفق عليها وفق وثيقة دستورية لا يتم تجاوزها. أما في الأنظمة الثورية فإنّ مسمى الدولة باقٍ لأنّ القرار باقٍ في تلك الدولة.
 

بما أنّنا وصلنا للقرار دعونا نطبق هذه النظرية على العراق ونتساءل من يمتلك القرار فيه؟ هل يمتلكه صاحب القرار؟ هل يستطيع القرار الحكومي أن يسري على الجميع؟ هل هناك دولة موازية في البلاد؟ للأسف فإنّ المعطيات التي نستحصلها عند الإجابة على هذه الأسئلة لن تكون لصالح الدولة.

 


 

عديدون يمتلكون القرار في العراق وينازعون أصحاب القرار الرسمي صلاحياته. وأزعم أنّ تصريح نائب رئيس الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس حول تراخي الحكومة والتباهي بقدرة الحشد الشعبي على إحداث متغيرات في البلاد وتحديه الواضح للسلطة التنفيذية والتشريعية، خير دليل على تشظي سلطة القرار في البلاد.
 

ومن يمتلك القرار الشرعي في العراق لا يستطيع أن يقول لمنازعيه إنهم يسلبون حق القرار وحقوق المنصب. ومثالي في ذلك الصمت الحكومي إزاء مجمل التصريحات التي تنطلق من هنا وهناك بما يتعلق بأحداث سيادية نرى أنّ الحكومة غير قادرة على أن تعطي رأيًا واضحًا، لأنّها تعلم تمامًا بأنّ رأيها لن يغيّر من قناعات وتوجهات ومشاريع من ينازعونها سلطة القرار. والطامة الكبرى هو وجود أكثر من سلطة تنفيذية في البلاد، وأكثر من سلطة تشريعية أيضًا.
 

حيث نرى أنّ مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري له سجونه الخاصة، والأمر يشمل كافة الأحزاب والتنظيمات المسلحة المنضوية تحت خيمة الحشد الشعبي وغيرها.
 

كما أنّ في العراق أحزابًا لها سلاحها الخاص ومخازنها الخاصة، وليس هناك قدرة لصاحب قرار على أن يردعها، ويمكن أن نرى مثالًا أنّ نائب رئيس الوزراء يتم حبسه في دار مواطن عراقي ويُؤمر من قبل صاحب الدار بالانسحاب من وظيفته الحكومية وترك منصبه الحكومي. ومثال ذلك ما جرى مع بهاء الأعرجي وحبسه في دار مقتدى الصدر.
 

 كما أنّنا نرى أنّ أشخاصًا لا يوجد لهم أي وظيفة حكومية، هم الآن يقودون المشهد السياسي ودليلنا في ذلك مثالًا عمار الحكيم والصدر وقيس الخزعلي وأكرم الكعبي زعيم حركة النجباء.
 

وباستطاعة المتابعين لبرامج وتصريحات الطبقة السياسية بعد عام 2003 أن يتعرفوا على مصطلح جديد سوّق له الأمريكان في العراق يدحض نظرية الدولة وهو “العملية السياسية"، فترى أنّ السياسيين عاشوا هذا الدور إن لم يكن بعضهم حريصًا على أن يجاري الأمريكان في تضيع ملامح الدولة، لذا فإنّه يقول “العملية السياسية بدل الدولة”، ويدّعي أنّ العملية السياسية تسير على خير ما يرام، ولا يقول إنّ الدولة بخير. كل هذه الأمثلة تدل على أنّ القرار في العراق لا يساوي الدولة.



المصدر: صحيفة العرب اللندانية

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.