اللصوص يحمون وكرهم!

تاريخ الإضافة الجمعة 1 حزيران 2018 - 9:37 ص    عدد الزيارات 687    التعليقات 0     القسم سياسي

        


فاروق يوسف

كاتب عراقي

الهبّة التي شهدها مجلس النواب العراقي ضد نتائج الانتخابات الأخيرة هي أشبه بصحوة ما قبل الموت. فالنواب الغاضبون هم الذين أخرجتهم تلك النتائج من مبنى المجلس حين فشلوا في الحصول على ثقة الناخبين.
 

وإذا ما كان ذلك الحراك التآمري تجسيدا لرغبة دفينة في الانتقام من قبل حفنة من الفاشلين، فإنه يؤكد أن مجلس النواب بتركيبته الحزبية كان سببا مباشرا لتعطيل الحياة السياسية وإعاقة عمل مؤسسات الدولة من خلال ما كان يجري تحت قبته من صفقات، تُباع بموجبها المناصب الحكومية مقابل مبالغ خيالية، يقوم المستفيدون من تلك المناصب بتسديدها من أموال الدولة.
 

وبذلك يكشف النواب المحتجون على التغيير أن مجلسهم كان واحدة من حلقات قليلة يتم فيها طبخ الوجبات التي سممت حياة العراقيين بالفساد، وأفقدتهم الجزء الأعظم من كرامة شعورهم بالمساواة في ظل عدالة مفقودة هدم غيابها سور المساءلة القانونية الذي تحتمي وراءه حقوق المواطنة.
 

لقد شكك النواب المهزومون بنتائج الانتخابات لأنها حرمتهم من الاستمرار في ما اعتادوا عليه من عمليات فساد، كان القيام بها هو العمل الوحيد الذي يربطهم بالعملية السياسية. فهم مقاولو مناصب ومبرمو عقود ومالكو إقطاعيات مغتصبة ومهرّبو عملة وجامعو ملفات كيدية ليس إلا.
 

مجلس النواب الذي يمثل السلطة التشريعية لم يشرّع قانونا واحدا من شأنه أن يحمي حقوق المواطن ويدافع عن حريته ويمنع مسؤولي الحكومة من استغلال مناصبهم في نهب المال العام ويعرضهم للمساءلة القانونية إن هم أساءوا التصرف.
 

لم يتحرك نواب الشعب عبر اثنتي عشرة سنة احتجاجا على الانتهاكات التي مارستها الفصائل المسلحة في حق مواطنين عزّل. لم تهمهم هيبة الدولة التي هم جزء منها، ولا مصير الشعب الذي أوصلتهم أصواته إلى مبنى مجلس النواب. لقد تحولت عضوية ذلك المجلس إلى فرصة للسرقة، بحيث سن النواب عبر ثلاث دورات قوانين تهبهم ما لا يمكن تخيله من الامتيازات غير المسبوقة في تاريخ الديمقراطية الغربية.
 

وإذا ما عرفنا أن الأحزاب المسيطرة على الحياة السياسية في البلاد كانت تختار ممثليها في مجلس النواب على أساس القرابة والولاء الأعمى والطاعة الخرساء والدهاء في إبرام الصفقات والاستعداد المسبق للفساد فلن يفاجئنا مشهد حشود الأميين وقطاع الطرق والأفاقين والمنافقين والانتهازيين والوصوليين وهم يسرحون ويمرحون في جنبات القصر الذي بني في ثمانينات القرن الماضي ليستقبل المؤتمرات الرئاسية، فإذا به يتحول إلى وكر للصوص.
 

شُرعت في الدورات البرلمانية الثلاث السابقة قوانين، يندى لها جبين الإنسانية لما انطوت عليه من تخلف ورثاثة وانحطاط وفقر وعي وغياب لأي وازع أخلاقي. من ذلك تلك القوانين التي حطت من شأن المرأة العراقية وأفقدتها الكثير من الحقوق المدنية التي كانت تنص عليها قوانين الأحوال الشخصية التي سنت قبل حوالي ستين سنة.
 

هؤلاء النواب صار بإمكانهم اليوم أن يرفعوا أصواتهم من أجل شجب ما تخلل الانتخابات الأخيرة من عمليات تزوير متناسين أنهم لولا وجود تلك العمليات لما وطئت أقدامهم أرض المنطقة الخضراء التي خص بها المحتل الأمريكي أتباعه.

 


المفوضية العليا للانتخابات رفضت الاستجابة لقرارات البرلمان

 

لم يكن عسيرا على الشعب أن يكتشف أن إرادته تم تزويرها من خلال عمليات خداع كان المشروع الإسلامي غطاءها والفساد جوهرها. ولطالما لام المواطنون أنفسهم لأنهم منحوا الفاسدين أصواتهم ووصلوا بهم إلى ما هم فيه من هناءة عيش، لم يكونوا يحلمون بها من غير أن يلتفتوا إلى المطالب الشعبية في خدمات البنية الأساسية وسوق العمل والتعليم والصحة.
 

لقد شكّل مجلس النواب بؤرة للتآمر على أحلام وطموحات الشعب في التغيير والانتقال إلى مرحلة لا تكون فيها مؤسسات الحكم عبئا على الشعب. فما من حدث وقع تحت قبة “البرلمان” إلا وكان مصدرا لعذاب جديد يُضاف إلى عذابات هذا الشعب.
 

حين يجُنّ جنون الفاسدين فإن ذلك يعني أن المواطنين قد استعادوا شيئا من توازنهم العقلي والأخلاقي وهو ما يؤهلهم لاختيار أفراد الطاقم الحكومي على أساس الشرف والنزاهة والوطنية.



المصدر: صحيفة العرب اللندانية

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.