أيّ المشروعين: العراقي أم الإيراني سيكسب الجولة التاريخية؟!

تاريخ الإضافة الخميس 17 أيار 2018 - 10:38 ص    عدد الزيارات 1685    التعليقات 0     القسم سياسي

        


النتائج التي أفرزتها الانتخابات بتقدّم قائمة مقتدى الصدر وضعت العملية السياسية في العراق أمام مفترق جدي بين واقعها الحالي الموصوف بالفساد والفشل وبالانحياز الكلي للمشروع الإيراني، وبين البدء بمرحلة تحول تدريجي في السياستين الداخلية والخارجية، وبين الارتهان الكامل لقوى الإسلام السياسي التي رفضها الجمهور العراقي بموقفه عبر العزوف عن الانتخابات بنسبة تصل إلى 70 بالمئة، وبين التحرر من تلك الهيمنة التي كلفت العراقيين أرواحهم وأمنهم وديارهم، والانحياز إلى هموم أبناء الشعب.
 

شكّل القسم القليل من الجمهور الذي ذهب إلى صناديق الاقتراع القوة التي تمكنت من سحب تلك الهيمنة، ليس في الأرقام التي غيّرت موازين القوى داخل الكتل الشيعية وإنّما في منح الأصوات لكتلة الصدر التي أحدثت الصدمة في الوسط السياسي الموالي لإيران الذي قامت قيادات مهمة فيه بتنظيم حملات تعبئة إعلامية متواصلة منذ ثلاث سنوات استهزأت بذلك الحراك الشعبي لدرجة الإساءات الشخصية لمقتدى الصدر ذاته، ووصفه بـ”زعيم الغوغائيين” والهجوم على مواقفه العراقية في الانفتاح على الخليج والسعودية، ووصفه بالخارج عن المذهب وهو تعبير يراد به تخوين من يقاوم سياسة تبعية العراق لإيران. وقد دعمت طهران تلك الحملة التشويهية في شعور قلق مبكّر تفسّره الزيارة الحالية للجنرال قاسم سليماني لبغداد للتباحث مع نوري المالكي وهادي العامري وغيرهما من الكيانات الشيعية ذات الولاء لطهران بما ينقذ العملية السياسية من احتمالات خروجها عن الطوق الإيراني.
 

إنّ اتّساع مزاج الاستقلالية العراقية وتحوّله من مدّ شعبي استنكاري إلى قوة سياسية لا يعجب إيران وقد يضعها في منطقة الخطر، ومثال ذلك تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار علي خامئني خلال زيارته لبغداد قبل الانتخابات ودعوته إلى منع وصول ما سماهم “الليبراليين” إلى سلطة العراق في تمسك صارم بالقيادات الإسلامية الموالية لبلده.
 

وأثبتت الوقائع الأخيرة أنّ مواقف الصدر ليست هبّة جماهيرية رافضة للفساد والفاسدين فقط، وإنّما تحوّلت إلى تيّار سياسي واضح في انحيازه الكلي إلى ضحايا الطغمة الفاسدة التي مثلتها الأحزاب الموالية لإيران وخصوصاً حزب الدعوة، وإلى شجاعته في مواقف معبرة عن الهوية العروبية العراقية، إضافة إلى أنّ حركة الصدر قد أعادت التشيّع العربي الذي انطلق من العراق إلى جوهره الحقيقي وكشفه للعبة التشيّع الإيراني من خلال ولاية الفقيه التي شكلت غطاء للسياسة التوسعية في العراق والمنطقة.
 

تصاعدت تعبيرات المواجهة بين الصدر وخصومه، خصوصا المالكي، ومن وظّفوا الحشد الشعبي لمصالح سياسية، وانتقلت إلى مرحلة جدية وليست ظرفية جزئية حين تحمّل مسؤولية فتح معركة الصِدام السياسي عبر الانتخابات الأخيرة، وفوز قائمته المميّز لصالح قوى التغيير ضد القوى التي عزلت العراق وأوقعته رهينة للسياسات الإيرانية. إضافة إلى إصرار هذه الكتلة الجديدة على تبني مشروع التغيير السياسي والاقتصادي بتحويل شعار محاربة الفساد إلى برنامج تتحمّل مسؤوليته حكومة نزيهة تكنوقراطية غير خاضعة للأحزاب، وتبني سياسة عربية ودولية تخرج البلد من احتمالات تداعيات السياسة الأمريكية الجديدة في احتواء إيران في العراق والمنطقة.

 


قائمة مقتدى الصدر تضع العملية السياسية في العراق أمام مفترق
 


مشروعان يتنافسان بحدة اليوم، ولعل الفرص ضيقة للمهادنات النفعية بين هذين المشروعين بعد أن أصبحت الأوراق مكشوفة لدى كل منهما والساحة واضحة والأدوات دخلت مرحلة التنفيذ.
 

لقد تمثلت الفرصة الذهبية في الانتخابات الأخيرة بعقوبة قطّاع كبير من الشعب للسياسيين الفاسدين وتسيّدهم المقبل، رغم آثارها السلبية في حجب أصوات وطنية كان يمكن أن يكون لها دورها المهم في تعزيز التيار الوطني النزيه، إلا أنّها ساهمت في التعرية والعزل والتضييق على منتجات العملية السياسية في التطرف والفساد، وفتحت الآمال أمام إمكانيات التغيير المطلوب إذا ما أحسنت القوى الفائزة، المتمثلة بقائمة “سائرون” إلى جانب “النصر والوطنية والقرار” والقوى الكوردية البعيدة عن مشروع إيران في العراق، اختيار البرنامج السليم في إدارة المفاوضات لتحديد منصب رئيس الوزراء والكابينة الحكومية والابتعاد عن لعبة الصفقات التقليدية.
 

ما يحصل اليوم في بغداد ليس تنافسا على منصب رئيس الوزراء بالمعنى الإجرائي التنفيذي، وإنما هو صراع إرادات داخلية شديدة الوطأة بتأثيرات إقليمية ودولية، وهي حرب سياسية بين مشروعين سياسيين: الأول مشروع إبقاء البلد أسير نظام الفساد والطائفية بيد قوى حزبية حكمت لأربعة عشر عاما أُشيعت خلالها سياسات القمع والفساد وطرد الكفاءات وإلغاء الآخر وتدمير شامل للبنى التحتية وتعويق طاقات الشباب ورهن العراق أسيرا لإيران.
 

والمشروع الثاني الذي ظل مشتتا خلال السنوات الماضية ويتبلور الآن بخطاب سياسي عراقي إصلاحي يريد إعادة تركيب جميع المنظومات السياسية والأمنية والاقتصادية بما يفتح الآفاق لاستقرار البلد ودخول أبنائه في معركة البناء وإعادة إعمار المدن المخرّبة والتنمية الجادة بإرجاع جميع الكفاءات العراقية التي شُرّدت خارج العراق أو سحقت داخله والتي تشكل عصب الحياة الجديدة، وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص لجميع المواطنين بعيدا عن الحزبية الضّيقة، وأن يتحوّل المسؤول التنفيذي الأول إلى أداة جادّة لضرب الفاسدين وإحالتهم على القضاء العادل.
 

مشروعان يتنافسان بحدة اليوم، ولعل الفرص ضيقة للمهادنات النفعية بين هذين المشروعين بعد أن أصبحت الأوراق مكشوفة لدى كل منهما والساحة واضحة والأدوات دخلت مرحلة التنفيذ، بما تمتلكه من أسلحة الأصوات الانتخابية. أما القوى الخارجية التي يشتغل كل قطب من أقطابها على دعم نصر أي من هذين المشروعين، فقد تقبل بالحلول الوسطى لكي لا تخسر نفوذها داخل العراق. والتعبير التفصيلي عن هذه الحالة المعقّدة هو ما أفرزته نتائج الانتخابات من أصوات متقاربة تتطلب العمل على بناء تكتّلين سياسيّين؛ أحدهما يمثّله المالكي والعامري، يقابله تكتّل مقتدى الصدر مع من سيكون حليفا له والأقرب هو حيدر العبادي.
 

هناك من يقول إنّ تقدم قائمة “سائرون” بزعامة الصدر لا تعني قدرتها على اختيار رئيس الوزراء وستتكرر قصة فوز إياد علاوي عام 2010 وانتزاعها من قبل المالكي، ومعنى ذلك أنّ على إيران أن تبذل جهودا استثنائية لإرغام العبادي على التوافق مع رفيق دربه في حزب الدعوة المالكي إلى جانب العامري وعمار الحكيم، ولهذا السبب حضر الجنرال قاسم سليماني إلى بغداد لتحقيق هدف تجميع الكتلة الموالية لطهران.
 

وإذا ما تمّ توافقهم فإنّهم سيشكّلون الكتلة الأكبر في البرلمان ويعني ذلك إعادة تدوير الأزمات مرة أخرى، ولا تبقى هناك أية قيمة لشعارات العبادي في محاربة الفاسدين والخروج من الهيمنة الطائفية، وهنا يُتوقع أن تذهب قائمة “سائرون” ومن يتحالف معها (الوطنية والقرار) وغيرها إلى تشكيل جبهة معارضة قوية داخل البرلمان إذا ما ارتفعت تلك القوائم عن طمع السلطة والمال. إذن قبل القول من سيحصل على كرسي رئاسة الوزراء لا بد من السؤال: أي المشروعين، الإيراني أم العراقي سيكسب الجولة التاريخية.



المصدر: صحيفة العرب اللندانية

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.