حكاية النوم المفضلة للرؤساء قبل النوم وبعده

تاريخ الإضافة الثلاثاء 20 تشرين الأول 2020 - 1:41 ص    عدد الزيارات 93    التعليقات 0

        


أغلب الظن أن هذه الحكاية هي حكاية الملوك الجدد والرؤساء الانقلابيين المفضّلة، وهم يقتدون بها، ردّ الله كيدهم، وسلّنا من بينهم كما يسلّ العجين من الشعرة!

الحكاية معروفة، وملخصها أنَّ شاة خرجت من أجل الكلأ، وأوصت خرافها السبعة بالحذر من الذئب الشرير - وسبعة رقم من الأرقام الدرامية - وأوصتهم بإيصاد الباب وصداً محكماً. ونظنُّ من تأويل الحكاية الشعبية الأوروبية التي سجلها وجمعها الأخوان غريم أنَّ الذئب كان يتجسس عليها، وما إن غابت الشاة عن الأنظار، حتى قصد الباب ودقه وادَّعى أنه الماما وقد عادت؛ "وجايبة معاها لعب وحاجات".

يقول المنطق والعقل وتقول الغريزة أيضا إنه كان يستطيع أن يفترس الأم، لكنه لم يفعل لسببين لله دره وللشيطان شرّه: السبب الأول مروءته ونخوته، فهو لا يعتدي على الحرائر، والثاني أنه خبيث، ولحم الخراف أشهى وأطيب، وسبب ثالث مضاف: هو أنَّ الأم خبيرة بالمقاومة والممانعة وقد تؤذيه.

وهي قصة رمزية، فليس للشياه بيوت، والشياه لا تقصد الغابات، فهي موطن الذئاب. نحن في المدينة التي تكثر فيها الذئاب البشرية، والحكاية رمزية.

الحاصل أنَّ الخراف الذكية كشفت خدعته، فصوتُ الذئب عواء، وصوت الأم ثغاء، وشتان، وهذا ما لا ينتطح فيه عنزان، ولا يماري فيه المحقق الجنائي ضاحي خلفان، أو تجادل فيه رائدة الفضاء بثينة شعبان. وقد أخبرته الخراف بذلك، فاستدرك الذئب ضعف خدعته، وسوء مَكره، فغاب وكاد وعاد، وقد أكل بعض الطباشير، فتحسّن صوته حتى صار مثل صوت المطربين في برنامج سوبر ستار. والصوت إعلام مسموع، والطباشير إعلام مكتوب.

ولم تنطل خدعة الصوت الناجحة على الشعب لأنه نسي "اللوك"، ذلك أن جلده كشفه، فقد رآه أحد الخرفان من النافذة، ولمح آخر براثنه من تحت العتبة، فنكص الذئب وقصد فرّاناً وغيّر لون جلده بالطحين، حتى صار ناعماً مثل جلد الممثلة كاترين، واكتملت الخدعة.

والعبرة هي أن الحاكم الفالح والسالخ هو الذي يتقن خدعتين؛ خدعة التنكر، وخدعة الرغيف. وقد صغر الرغيف في مصر وسوريا كثيراً، ولم نعد نراه كأنه مسافر أضناه السفر!

فعاد ودقَّ الباب، وقد أكمل عدة الخدعة، وسدَّ ثقوبها، كما أسلفنا: من صوت وصورة، ففتح الشعب له الباب، فأكلهم جميعاً إلا خروفاً، وهو الأصغر. والأصغر في الحكايات هو البطل، لأنه رمز الجيل الجديد الذي لم يفسد، استطاع أن يختبئ في صندوق الساعة. والساعة رمز طيب، فلا يمكن للذئب خداع الزمن، وإن استطاع خداع الخراف.

وفي منطق الحكاية التي تروى للأطفال يجري الافتراس بلعاً، من غير هدم للبنية، من أجل النهاية السعيدة.

والملوك حريصون على الانتصار وهم في قمة الهزيمة، وإن هُزم أبناء اللئيمة وصفوا الهزيمة بأوصاف سليمة، حتى لا تظهر الجريمة، مثل نكسة أو معركة أو حتى غنيمة، أو جعلوا الهزيمة نصراً روحياً. وكل الحكايات التي يعرضها الذئاب كسر الله أنيابهم في التلفزيونات حكايات سعيدة. ويُتخم الذئب في الحكاية، التخمة قاتلة، صحياً وسياسياً.. ويذهب للنوم بجانب النهر، فتعود الأم وتجد الباب مفتوحاً، والخراف مفقودة إلا خروفاً واحداً وهو خروف الساعة الناجي، سمع بكاءها فخرج، فلا بد من ناجٍ يروي الحكاية، فأخبرها بالخبر وسرد عليها الحكاية.

تتبعت الأم أثر الذئب للانتقام، فوجدته في ظل شجرة، ولاحظت أنَّ بطنه ما تزال تختلج وتضطرب، ففتحت بطنه واستخرجت أولادها بعملية قيصرية، ثم وضعت فيه حجارة، ثم خيطته. وكانت تستطيع قتله، لكن القتل مكروه في قصص الأطفال ولو كان عادلا وقصاصا. ولا تسأل عزيزي القارئ كيف لم يستيقظ من أثر المقص، والسبب هو التخمة، فهي مخدر، فأيقظه العطش من النوم، وقصد النهر ليشرب، فغرق بسبب الحجارة لا قتلاً.. العنف الصريح غير مستحب في قصص الأطفال.

نسخة الحكاية التي نعيشها منذ نصف قرن تقول: إنَّ الزعماء الجمهوريين المنقلبين، اهتدوا بهذه الحكاية، وبها اقتدوا، أكثر من كل نصائح مكيافيلي في كتاب الأمير، فتنكروا تنكراً جيداً.

خذ على سبيل المثال الذئب حافظ الأسد، واسمه الحقيقي حافظ الوحش، الذي تنكّر في جلد العروبة، وتكلم بالفصحى، مخفياً لهجة الذئب، حتى خدع الشعب وأكل معظم أبنائه. والذئب السيسي، الذي تنكر ولبس الجلد المدني، وقال ثاغياً: "انتو مش نور عينينا وللا ايه"، حتى انطلت الخدعة على الشعب. ولم يقف الأمر عند حد أكل خيرة أبناء الشعب، فما يزال الذئب يمثل دور الأم، ويدّعي أن الأم الحقيقية هي الذئب المتنكر، بدليل قصدها للغابة لأنها تحبُّ قانون الغابة كما يزعم إعلامه، أو يشيع الذئب أن الأم كانت ذاهبة للرقص في حفلة، قذفاً للمحصنات.

ومن الموافقات والمطابقات العجيبة أنه ليس في ثلاجة الذئب المصري سوى الماء خوفاً من مصير جده الأول الذئب، مصير الغرق في النهر، وقد سكت على سدِّ نهر النيل خشية الغرق أيضاً. وأهم ما في الحكاية من عبر مجهولة ومغمورة أن الأم التي اتّهمت بالفجور ستذهب إلى الفرن يومياً، وسيطول مكوثها في انتظار الرغيف حرقاً للزمن والساعة حتى لا يختبئ فيها أحد. يجب أن يتحول الشعب المصري إلى أيتام حتى يسهل أكلهم.

إنها حكاية بسيطة وقد تكون ساذجة، لكنها انطلت على شعوب الأرض، حتى على الشعبين الأمريكي والروسي، فذئاب أمريكا وروسيا تحبُّ لحم الخرفان أيضاً، غير أن حظائرها أكبر، وتنكّرها أكثر مهارة. ومن العجائب أننا أصبحنا نحن الذين نتنكر للذئاب في زي الخرفان حتى يطمئن رؤساؤنا الذئاب، وينامون ويحلمون بالأحلام السعيدة.


مقالات متعلّقة