جدل حول فساد الحشد الشعبي في العراق

تاريخ الإضافة الثلاثاء 2 حزيران 2020 - 5:04 م    عدد الزيارات 315    التعليقات 0     القسم سياسي

        


د. باهرة الشيخلي

كاتبة عراقية

أشعل تداول عراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي وثائق لشكاوى من مقاتلين في الحشد الشعبي تثبت أن رواتبهم تسرق، منذ أعوام، الجدل حول الفساد المستشري في هيئة الحشد الشعبي، الذي تسميه أحزاب السلطة وميليشياتها “الحشد المقدس”.

 

وجاءت تغريدة النائب في البرلمان العراقي فائق الشيخ، في حسابه على تويتر، لتزيد الجدل اشتعالاً، إذ شن هجومًا على إدارة هيئة الحشد الشعبي العراقي، واتهمها بوجود “82 ألف فضائي” بين صفوف عناصر الحشد.

 

وكلمة “فضائي” هي الوصف الدارج بين الأجهزة الأمنية العراقية للجندي، الذي يدفع جزءًا من راتبه إلى مسؤوله، مقابل عدم التحاقه بالدوام، والواقع أن الدولة في العراق كلها فضائية، وهو مصطلح يفرضه معجم الحكومات الست، التي أعقبت الاحتلال.

 

ويبلغ عديد عناصر الحشد نحو 120 إلى 140 ألف عنصر، غالبيتهم الكبرى من الشيعة، وتوجد أيضا فصائل سنية ومسيحية وشبكية وتركمانية، لكن النائب الشيخ علي قال إن عدد مقاتلي الحشد الفعليين هو “48 ألف مقاتل، إلا أن قادتهم يتقاضون رواتب 130 ألف مقاتل، بفارق 82 ألف فضائي”.

 

وقال النائب الشيخ علي، الذي طالما أشعل الجدل تحت قبة البرلمان، في رد على سؤال لأحد متابعيه: إن “رواتب ومخصصات الحشد تأتي إلى مجلس النواب في قانون الموازنة السنوية، ويجلسون ثلاثة شهور يناقشون فقراتها، ومعهم نوّاب قادة الحشد، وهم واحد يفتن (يسرب معلومات) على الثاني، هذا يقول فلان يأخذ رواتب 2000 حشدي.. وهو عنده بس (فقط) 300 وذاك يقول والله ظلم تنطوه (تعطوه) رواتب 900 واحد وهو عنده بس (فقط) 150”.

 

ورغم أن مصدرًا في هيئة الحشد الشعبي قال لموقع “الحرة” إن “الأعداد، التي يتحدث بها الشيخ علي مبالغ بها”، وإن “مشكلة الفضائيين موجودة في كل الأجهزة الأمنية العراقية لكنها أقل لدى الحشد”، لكن اشتعال الجدل ظلّ مستعرا لأن مصادر أخرى تحدثت لموقع “الحرة” مؤكدة أن مشكلة العديد الوهمي موجودة، بنحو كبير، بين فصائل الحشد الشعبي.

 

واستعاد العراقيون حادثة مقتل مدير المالية في الحشد الشعبي قاسم الزبيدي على يد مجهولين، في العام 2018، بعد بدئه تحقيقا بأمر رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي في موضوع رواتب مقاتلي الحشد الوهمية. وقال العبادي، وقتها، إن الزبيدي كان قد اتصل به قبل حادث الاغتيال ليزوده بمعلومات تشير إلى وجود مقاتلين وهميين وأخبره بوجود فساد في توزيع الأموال واستيلاء بعض القيادات عليها، وأن هذا الملف يحتاج إلى تدقيق قبل أن يطلق أي زيادة في الرواتب. وفي 2019، لم ينكر الحشد الشعبي اتهامات العبادي بوجود “فضائيين” في هيئة الحشد لكنه طالبه بتناول المشكلة “بروح أخوية”.

 

إن أحزاب السلطة وميليشياتها أضفت على الحشد صفة القداسة، عقب فتوى السيستاني، والغاية من ذلك توفير “الحصانة” وقطع الطريق أمام مساءلته عن أية انتهاكات يقدم عليها.

 

وإذا عدنا إلى الوراء سنكتشف أن الحشد الشعبي في العراق لم يتأسس بعد فتوى المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، وإنما كان مجموعة من الميليشيات لم يوحدها هذا العنوان المفتعل، الذي تم بإيحاءات إيرانية، وجاء إصدار الفتوى بإصرار من قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، بذريعة محاربة داعش في حزيران 2014، وأعلنها ممثل السيستاني في كربلاء ووكيله الشيخ عبدالمهدي الكربلائي عبر خطبة صلاة الجمعة، مما يعني أن فتوى السيستاني كانت إعلاناً عن شيء موجود أصلاً.

 

الحشد الشعبي نسخة أولية من “الحرس الثوري” الغاية منه إعادة تنظيم الميليشيات واحتواء الصراعات الداخلية بين فصائلها وتحويلها إلى قوة موحدة ومنظمة، لغرض ضمان بقاء السلطة بيد الأحزاب الدينية بقيادة حزب الدعوة، إذ أثبتت الوقائع أن التثقيف الداخلي للحشد يقوم على إعداد الطريق وتمهيدها وإنضاج المراحل لإقامة ما يسمونه “دولة آل البيت” كمرحلة أولية، قبل الالتحاق بالجمهورية الإسلامية (الكبرى)، أولاً، وثانيًا أن من مهمات الحشد التغيير الديمغرافي حتى داخل المحافظات السنية.

 

وقد قاد نوري المالكي بنفسه عمليات التطهير الطائفي في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وجرى التركيز، أيضاً، على العاصمة (حزام بغداد)، أما المهمة الثالثة للحشد فهي حراسة المصالح الإيرانية، والعمل على تحجيم الجيش العراقي وإضعافه، ويمتلك الحشد، الآن، جهازا متكامل الاختصاصات صمم وفقا لخارطة الحرس الثوري، والذين يقاتلون في سوريا من ميليشيات الحشد هم نسخة أخرى من فيلق القدس للعمليات الخارجية.

 

اقترن الإعلان عن تأسيس الحشد الشعبي بالتباسات كثيرة، ما زالت مستمرة إلى اليوم، وهي تتعلق بأسباب التأسيس، ومن أطلق الفكرة وكيف تم التنفيذ، غير أنها جميعا لا تغطي دور الإيحاءات الإيرانية، ولا تغطي أيضا القصد المشبوه، وراءها.

 

ونسأل، بموضوعية، كل ذي ضمير وطني حي، لا يصدر في موقفه عن تعصب أو مصلحة أو منفعة، هل كانت لتأسيس الحشد الشعبي ضرورة وطنية أو أمنية، وهل كانت الآثار السلبية، التي نتجت عن هذا التأسيس وما زالت، بحجم ما كان لهذا التأسيس من إيجابيات؟

 

لو كان الخلل في ما يتعلق بالحشد الشعبي، بمعطيات التأسيس فقط، لكان المرء يأمل أن يراجع الأخطاء ويحرر كيان الحشد من الأغراض والدوافع المشبوهة، التي تستهدف الوطن والمواطنين، لكن ما شهده العراقيون، بعد التأسيس، من ظواهر الفساد، التي لا نريد من ذكرها التشويش أو الإساءة، بل نريد مصلحة الوطن والمواطن من خلال وضع الأمور في نصابها.

 

حصة الحشد في ميزانية سنة 2019، مليارا دولار، وهذا المبلغ الكبير يصرف من دون رقابة أو تدقيق، وتتسلم قيادات الميليشيات رواتب ومخصصات 130 ألف منتسب، بينما العدد الحقيقي للمنتسبين هو 48 ألف منتسب، ولو قبلنا بهذا الرقم، فهذا يعني أن رواتب 82 ألف منتسب ومخصصاتهم، تذهب إلى جيوب كبار اللصوص من قادة الميليشيات، وما ذكرناه من حالات الفساد المالي، وغيره كثير، بل كثير جداً، جعل من ميليشيات الحشد الشعبي أوكارًا للفساد والنهب والتخريب.


مقالات متعلّقة