استقالة عبد المهدي.. خضوع للمرجعية وتجاهل للدماء!.

تاريخ الإضافة الإثنين 2 كانون الأول 2019 - 1:24 ص    عدد الزيارات 794    التعليقات 0     القسم سياسي

        


عامر السامرائي

كاتب عراقي

على وقع تصاعد انتفاضة تشرين الثورية، التي راح ضحيتها نحو ٥٠٠ شهيد، وما يقرب العشرين ألف جريح حتى الآن، قدم رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته إلى مجلس النواب، في مخالفة لدستور عام ٢٠٠٥.

 

لكن ما يلفت الانتباه هو استشهاد عبد المهدي في بيان عزمه الاستقالة بالآية الكريمة "يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين"، في إشارة منه إلى خطبة المرجعية الجمعة الماضية، التي دعت فيها مجلس النواب إلى إعادة النظر في خياراته، لترميم العملية السياسية، وتثبيت أركانها بعد أن أصابها زلزال الانتفاضة، إلا أن عادل المهدي الذي تجاهل دماء الضحايا استغل هذه الرسالة ببيانه، ووظف الآية الكريمة بطريقة تنم عن جهالة، حينما وضع نفسه بمنزلة نبي الله اسماعيل عليه السلام، والمرجعية محل سيدنا ابراهيم عليه السلام، ليكشف بذلك عن خضوعه التام لمرجعية النجف، وضاربا عرض الحائط الأطر الديمقراطية التي يتغنى بها ومن معه طيلة ستة عشر عاما.

 

وهذا يعني أن المرجعية هي "مايسترو" المشهد السياسي والضامن للعملية السياسية، كما أكد سابقا عضو التحالف "الوطني" عباس البياتي، وهي التي تأتي بالحكومات، وهي من تباركها، وهي من تقيلها ببضع كلمات.

 

هذا المشهد يطرح عدة تساؤلات: إذا كان كل ذلك يعود للمرجعية.. لماذا إذن لدينا مجلس نواب، ولِمَ تُجرى انتخابات نيابية كل أربع سنوات يُصرف عليها الملايين، وأين ذهبت أصوات الشعب الذي لوّن أصابعه باللون البنفسجي؟!.

 

والسؤال الأهم: هل انتظرت المرجعية التي تتباكى على دم سيدنا الحسين عليه السلام، اراقة دماء ألاف الشهداء والجرحى حتى تأذن بتغيير الحكومة ؟!.

 

المرجعية أوردت بعد أسبوع من خشيتها زوال الحكم وانتقاله إلى أخرين، تصريح جديد مفاده "إنّ الأعداء وأدواتهم يخططون لتحقيق أهدافهم الخبيثة من نشر الفوضى والخراب والانجرار الى الاقتتال الداخلي ومن ثَمّ إعادة البلد إلى عصر الدكتاتورية المقيتة، فلا بد من أن يتعاون الجميع لتفويت الفرصة عليهم في ذلك".

 

هذه اللغة التي تنتهجها المرجعية عبر مواصلتها المغالطات في كل خطبة جمعة، تحمل في ثناياها رسائل مشفرة، ينتج عنها مزيد من القتل والقمع ضد المنتفضين السلمين بعد كل جمعة، كما إنها لغة بات الشارع العراقي يرفضها الآن، بعد أن أظهر تلاحمه للقاصي والداني، ضاربا كل أشكال الطائفية والمعتاشين عليها، وإلا ما معنى الحديث عن مؤامرة ومندسين وعودة للدكتاتورية التي تحذر منها المرجعية؟!.

 

هناك اصرار واضح من قبل المرجعية، ومن منطلق طائفي، على الاستمرار برعايتها للعملية السياسية المشوهة، رغم علمها ويقينها بفشل هذه العملية على الصعد كافة، وأن رجالها فاسدون وسراق وقتلة، وفي الوقت عينه تطالبهم بالإصلاح، وهذا ما لا يقبله عقل أو منطق.

 

وبالعودة إلى استقالة عبد المهدي، التي كان يفترض به أن يتقدم بطلب إعفائه إلى رئيس الجمهورية، حسب المادة ١٨ من النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم ٢ لعام ٢٠١٩، وبذلك يُعدّ مستقيلا دون الحاجة لموافقة مجلس النواب، لأن الأخير لا يجوز له قبول الاستقالة، وإنما سحب الثقة، بموجب البند الثامن من المادة ٦١ من الدستور.

 

وربما كان الهدف من ذلك رغم قبولها، اللعب على عامل الوقت من قبل الكتل السياسية، بالرجوع إلى المربع الأول بأحجية الكتلة الأكبر، لتراهن بذلك وهي واهمة على يأس المنتفضين وضعف عزيمتهم، إلا أنهم يظهرون كل يوم إصرارا منقطع النظير على بلوغ هدفهم في اسقاط العملية السياسية برمتها، حتى يستردوا وطنهم.

 

هذه التطورات تزامنت، إضافة إلى استمرار نزيف الدم، مع تسابق عدد من الذين تسببوا بخراب البلد على تقديم أنفسهم كمرشحين لرئاسة الحكومة، وهو ما سيزيد الوضع تعقيدا، لكن رد المنتفضين في ساحة التحرير جاء سريعا، وهو رفض أي مرشح، مؤكدين أن القرار أصبح بيد الشعب، ولن يقبلوا بأي تحرك سياسي قبل تحقيق المطالب التي خرجوا من أجلها في مختلف مدن الوطن، والتي تمثلت بوضوح تام، حل مجلس النواب ومجالس المحافظات، وإنهاء المحاصصة الطائفية، ومعاقبة مَن فرط بكرامة الوطن ومصالحه، ومَن سرق ثروات الشعب، ومَن سلّم تنظيم داعش محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وأجزاء واسعة من محافظتي ديالى والتأميم، ومَن استخدم الرصاص الحي ضد المتظاهرين السلميين.

هذه المطالب والإصرار على تنفيذها، تشير إلى حقيقة واحدة، هي أن هذا الجيل الذي يتلقى رصاص الغدر بصدور عارية إلا من الإيمان، قد برهن على إنه صاحب وعي أذهل به الجميع، لدرجة أنه اعتبر استقالة الحكومة الحلقة الأولى في طريق تحقيق جميع مطالبه.

الآن وقد طويت صفحة عادل عبد مهدي، الذي تكلم طويلا عن منجزات حكومته الوهمية، دون أن يعطي أي اهتمام إلى ما جرى للعراقيين النجباء من قتل وخطف وتعذيب ومعاملة وحشية على أيدي الأجهزة الأمنية والمليشيات الولائية التي يقودها، لكن لن تطوى جرائمه التي ارتكبها ومن معه بحق الأبرياء، لأن الجرائم لا تسقط بالتقادم.

 

 


مقالات متعلّقة