نصب الشهيد.. بين طائفية السلطة وانحلال القيم

تاريخ الإضافة السبت 6 نيسان 2019 - 11:44 ص    عدد الزيارات 7532    التعليقات 0     القسم سياسي

        


عامر السامرائي

كاتب عراقي

درجت الدول التي تحترم ذاتها وذويها على تخليد رموزها، عبر إقامة نصب تذكارية لهم، ولا شك أن الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل الوطن ومبادئه هم أعلى مكانة ورفعة من غيرهم، وفي ذلك دلالة تتعلق بمدى تقدير واعتزاز تلك الدول بتضحيات ابنائها.

لكن الأمر في عراق ما بعد ٢٠٠٣ يبدو مختلفاً تماماً عن هذه المبادئ والقيم، إذ تعرض ولا يزال نصب الشهيد الذي يعد أحد أكبر المعالم المعمارية في بغداد، كونه يرمز إلى الشهيد الذي قدم روحه فداء للوطن، خلال الحرب التي فرضتها إيران في ثمانينيات القرن الماضي دفاعاً عن العراق، إلى أبشع أنواع الاستخفاف بقيمة الشهداء، ففي عام ٢٠١٥ حاولت حكومة العبادي إزالة النصب زاعمة أنه من عمل النظام السابق، لكن محاولتها باءت بالفشل بعد أن تصدى مثقفو العراق لها، لسبب بسيط وهو أن النصب أكبر من كل الحكومات والاحزاب والالقاب، كلهم زائلون وهو الباقي.

واستمراراً في هذا الاستهداف برزت ظاهرة "جديدة غريبة" خلال الأيام الماضية تمثلت برقص وغناء في حرمة نصب الشهيد، من قبل أحدى الفرق الموسيقية.

وهذا ما أثار  موجة استنكار  واسعة من قبل معظم العراقيين الغيورين على دماء أخوانهم التي خضبت تراب الوطن دفاعاً عنه خلال حرب ضروس لجمت حينها المشروع الإيراني الهادف إلى التمدد في المنطقة.

وهذا الاستنكار لم يأت عن فراغ، فالعراقيون يدركون أن نصب الشهيد الذي ينتمي لكل العراقيين، هو المعنى الأقدس في وجدانهم، ووقفوا أمامه خشوعاً ومهابة، فثمة أرواح أزهقت بسخاء دفاعاً عن الوطن، وهذا موروث تربوا عليه، حيث دأبت الزعامات السياسية على مر العقود واضعة أكاليل الزهور عبر مراسم تأبينية رسمية في إحياء المناسبات التي تستذكر الشهيد العراقي.

إن هذه الممارسات تعد إهانة لرموز وطنية واستخفافاً بقيمة الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم دفاعاً عن البلد في الحرب الإيرانية العراقية. وإلا بماذا يفسر السماح بالرقص والغناء في حرمة النصب الذي أقيم على رفاة شهداء حقيقيين، هل السبب قتالهم ضد إيران وتضحيتهم بأرواحهم من أجل العراق، أم هي عقدة نقص تجاه أي روح عراقية طاهرة، كما تساءل البعض؟!.

 

صحيح أن حضارة العراق ضاربة في عمق التاريخ لكن هذا لا يعني السماح بالغناء في كل مكان، فهذا النوع من الفن له أماكنه المخصصة، كالملاهي والمراقص وليس نصب الشهيد، وكان على الجهات المعنية مراعات ذلك، لأن أغلب العراقيين يقدسون هذا المكان الذي يحوي أسماء الشهداء الذين سقطوا من أجل الوطن.

هذا لم يحصل على ما يبدو عن جهل أو خطأ كما بررت الجهة المعنية، بل يتوافق تماماً مع هجوم ساسة العراق الحاليين على الثقافة العراقية بشقيها الفني والقيمي، الذي يستند على اتجاهين أحدهما طائفي تمثل بمطالبة تغيير اسم شارع الرشيد تارة، وإزالة تمثال أبي جعفر المنصور بزعم عدائهما ل آل البيت تارة أخرى، وهذا محض افتراء، والاتجاه الآخر تبعي لإرضاء إيران بمحو كل ما هو متعلق بحرب الثماني سنوات تحت عكازات النظام السابق، من أجل تدمير كل ما يتعلق بالذاكرة العراقية وارثها العميق.

لذلك يجب عدم الوقوف موقف المتفرج إزاء هذه النوايا والتخرصات التي تستهدف تاريخنا الثقافي والقيمي، ذلك أن هذه الشواخص الهامة حفرت عميقاً في ذاكرة المجتمع العراقي، وأسهمت بتأسيس أعمال فنية، ليس على مستوى عطاءات الفنون في العراق فحسب، بل وعلى صعيد العالم أيضاً.


مقالات متعلّقة