الحرب على الفساد .. أولوية العراق الصعبة!

تاريخ الإضافة الإثنين 27 تشرين الثاني 2017 - 8:56 ص    عدد الزيارات 769    التعليقات 0     القسم سياسي

        


ابراهيم العبادي

كاتب في جريدة الصباح العراقية

 دخل رئيس الحكومة العراقية في مواجهة مباشرة مع منظومة الفساد معلنا  الحرب على الفاسدين ومنذرا اياهم بدنو ساعة الحقيقة، الاعلان الرسمي عن بدء اجراءات التعامل مع ملف الفساد والمفسدين يجيء بعد الانتهاء من العمليات العسكرية الكبرى ضد الارهاب، وقبيل اعلان النصر العسكري النهائي مما يعني ان الاولوية باتت لمواجهة الخطر المماثل للارهاب الذي فتك في بنية الدولة العراقية وحياة العراقيين وصنف العراق في اعلى مراتب الدول الفاسدة واحبط تنمية الاقتصاد والمجتمع واشاع ثقافة مدمرة هي ثقافة الاغتنام والكسب غير المشروع والاستفادة من الوظيفة والمواقع الادارية والحكومية للتربح بأي وسيلة متيسرة.


الفساد في العراق له تاريخ قديم وجذوره ترتبط بالسلطة بمعنى انه يستفيد من بنية النظام السياسي والاقتصادي ويتحرك بقيم ثقافة اجتماعية قديمة هي الغزو من اجل الاغتنام والتملك والاكتساب، فالفساد الذي امتلك جرأة الانتشار واعلن عن نفسه بوضوح كبير استفاد من غطاء سياسي وحزبي عنوانه نظام المحاصصة وتوزيع المكاسب وارضاء الاطراف السياسية، واستفاد من ضعف الرقابة وانفاذ القانون وسلطة القضاء، وتحول من فعل مذموم اخلاقيا واجتماعيا الى فعل مقبول ومشرعن عندما تحالفت قوى حزبية وسياسية مع واجهات اقتصادية لادارة عقود التجهيز والمقاولات والمناقصات وتدخلت في مشاريع الاستثمار، وقد سرت حركة الفساد والافساد عموديا وافقيا لتصبح ميدانا للتنافس بين صغار الموظفين وكبارهم وبين الاحزاب والتيارات، واطاحت مغرياتها  بطيف اجتماعي واسع انهارت  معها كل الموانع  القيمية، دينية ام مدنية، فتورط بالفساد اصناف من الناس ما كان يظن يوما ان مثلهم يمكن ان يجرفه سيل الفساد .


لا شك ان مواجهة الفساد تأخرت كثيرا لاسباب عديدة كان في مقدمتها عدم وضوح الرؤية والتردد في المواجهة وضعف الارادة، مما سمح لآلة الفساد ان تنخر المؤسسات الحكومية وتطيح بالموانع الاخلاقية والقانونية وتستفيد من كل فرصة حتى صار مجتمع الفاسدين يبدو كما لو انه تحالف واسع بين قوى سياسية ومالية داخلية وخارجية  تمركزت مصلحتها في اعاقة مشروع الاصلاح والابقاء على مظلة الفساد بلا مقاومة ولا اعاقة  .


 ان معاناة العراق من الفساد بلغت حدا حتم ضرورة التصدي الحازم له والاستعانة بخبرات دولية والتعلم من تجارب الدول التي عانت منه وتوظيف المؤسسات المدنية والاعلامية وتحريك منابر التوعية والتعبئة الشعبية ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن ذلك لن يكون كافيا مالم يتم العمل على منظومة القيم الاخلاقية والاجتماعية بموازاة ردع وقانون صارم وعدالة لاتستثني احدا، وهذا يعني ان الاصطدام السياسي والحملات الاعلامية والتشويش والتعميم والابتزاز سيتحرك في اتجاهات قوية لإعاقة الحرب تماما مثلما حصلت اعاقات للعمليات الحربية، فالتهويل والترهيب والعمل على شق الوحدة الاجتماعية وتلويث سمعة الاخرين وربما التلاعب باسعار السلع والاحتكار واشاعة اجواء التوتر النفسي والاجتماعي ستكون ادوات القوى التي ستواجه السياسة الحكومية الجديدة، لكن الحرب على الفساد لم تعد تحتمل التاجيل او التراخي فعراق ما بعد داعش ينبغي ان تتحرك عجلة اقتصاده وان يحصل فقراؤه على حصتهم من الثروة ولابد ان يتحرك قطاع الاعمال والانتاج والخدمات لشعب يتكاثر بسرعة وبمعدلات عالية ويعيش اقتصادا ريعيا لايوفر فرص عمل كافية بينما يسرق بعض متنفذيه النسبة الكبيرة من المال ليستمر حال البؤس والبيروقراطية والاستهلاك والركود الانتاجي وقذارة المدن وتراجع الخدمات وتراكم الصور الكئيبة لاحزمة الصفيح والفقر.


لا خيار اذن الا الفوز بهذه المعركة رغم ضراوتها وهي معركة دخول التاريخ او الخروج منه.

 

المصدر: جريدة الصباح العراقية


مقالات متعلّقة