في اسباب خشية الرئيس من نائبه

تاريخ الإضافة الثلاثاء 10 تشرين الثاني 2020 - 12:37 ص    عدد الزيارات 115    التعليقات 0

        


عَلِم من لم يكن يعلم أنَّ الانتخابات الأمريكية المكلفة أفضل من الصراعات السياسية الدموية المسرفة، والحرب الأهلية المتلفة، وهذا ما لا يختلف عليه عاقلان، لكن الأعنز الحاكمة الوراثية العربية تنتطح فيه، وتسخر من سهرنا أياماً وليالي ونحن نعدّ الأصوات الأمريكية الانتخابية، التي صوّت فيها أنصار حزب الحمار وأنصار حزب الفيل.

كواحد من رعايا هذا الكوكب أخلط بين الرمزين ونسبتهما، فأنسب رمز هذا الحزب لذاك الحزب، وحتى أحفظهما وأعطي كل حزب رمزه، وكل ذي حق حقه، وأورد الإبل مواردها والحمير مسالكها، فالديون مهلكة يوم القيامة، ولا تغفرها حتى الشهادة، ربطت اسم الديمقراطي بـ"دونكي" وهو الحمار باللاتينية، فالحرف الأول من الاسمين هو حرف الدال، فيتحصل لي أن الفيل هو رمز الحزب الجمهوري. وأضفت علّة أخرى لحفظ الرمزين، فالفيل حيوان حقود لا ينسى ثأره، وكذلك ترامب الجمهوري صاحب خصلة الشعر الفيلية الفاتنة التي تذكرني بشمشون الجبار.

تسخر النخبة العربية الحاكمة من رموز الحزبين الأمريكين، فرموز الحاكم العربي إن وجدت فهي رمز واحد هو الأسد أو الشمس. الرئيس نفسه رمز، والرمز لا يرتمز. الثقافة الأمريكية لا تشبه ثقافتنا، فالحمار مرذول في ثقافة العرب المعاصرة، ولم يكن الأمر كذلك قديماً، فآخر خليفة أموي كان لقبه مروان الحمار. ويذكر الإمام الذهبى في كتابه "سِير أعلام النبلاء" أنَّ سبب لقبه هو أنه "أصبر في الحرب من الحمار". وقال الثعالبي في كتابه "ثمار القلوب في المضاف والمنسوب": الْعَرَب تَقول لسنة الْمِائَة من التَّارِيخ سنة الْحمار، وَأَصلهَا من حَدِيث حمَار عُزَيْر وَمَوته مَعَ صَاحبه مائَة سنة وَأَحْيَاهما الله، قَالَ الله تَعَالَى: "فأماته الله مائَة عَام ثمَّ بَعثه.."، وَإِنَّمَا قيل لمروان بن مُحَمَّد، مَرْوَان الْحمار لأَن على رَأسه اسْتكْمل مُلك بنى مَرْوَان مائَة سنة، فَصَارَت سنة الْحمار اسْماً لكل مائَة سنة. وَسمعت أَبَا نصر العتبى (الكلام للثعالبي مستطرفا) يَقُول: عرض على بعض الأدباء حمَار أَرَادَ ابتياعه فَوَجَدَهُ مسناً فَقَالَ أرى هَذَا الْحمار ولد قبل سنة الْحمار!

ويقول المؤرخون إنَّ الحمار هو الذي بنى الحضارات على ظهره، وليس الحصان ولا السيد الرئيس الذي تحمل المسؤولية على قول شهير لعادل إمام عندما مات والد المخرج، فهو الذي حمل الأحمال، وصعد الأوعار والجبال التي لا يستطيع الحصان صعودها، فهو حيوان محارب، والحمار كائن سياسي. ولم يكن هذا الاستطراد هو غرضي ومقصودي، إذ كنت أنوي الحديث عن منصب نائب الرئيس في أشهر جمهوريتين عربيتين، وليس عن منافع الحمير ومساوئ الفيلة وأصحاب الفيل ولا قوم عاد الذين أكثروا فيها الفساد.

إن الانتخابات الأمريكية مناط حسد عربي وباب غيرة لا يسدُّ، ولها محامد أخرى مثل: إن الشعب الأمريكي ينتخب في عرسه الديمقراطي كل أربع سنوات، وبحجر واحد، ممثلي ثلاث مؤسسات هي: منصب الرئيس، ومنصب نائب الرئيس، ومجلس النواب.

ويجري اختيار الرئيس في أثناء الحملة انتخابية أو قبلها، وليس بعد فوز الرئيس، وهو أحد أسباب نجاحه عادة، فهو يختار نائباً له صفات سياسية وعقلية وعرقية، وأحياناً مذهبية، قد لا تتوفر في الرئيس، فهما يتكاملان، ولا يمكن للرئيس تغييره، وهذا ما لا نراه في أنظمتنا الجمهورية العربية التقدمية التي تحملت المسؤولية بعد موت المخرج ووالده، وثارت على المَلَكية لأنها رجعية ووراثية، تحتكر المال والسلطة، فبكينا بعد نصف قرن من الحكم الجمهوري على ملوك مصر وليبيا وسوريا، فاروق والسنوسي وفيصل، أشدَّ البكاء.

يختار الشعب الأمريكي الرئيس ونائبه، ويتشارك الرئيس مع نائبه الحكم، ويمثله نائبه في غيابه مرضاً أو موتاً، والرأي في حضوره. أما النائب في الجمهوريات العربية، فهو مجهول، متروك، نكرة غالباً، ينظر إليه الرئيس بريبة وتوجس، ويُحسب على المعارضة، ويتجنب الرئيس تسميته خوفاً من تعاظم نفوذه. النائب هو المعارض المحتمل الوحيد في الدولة، والرئيس العربي الجمهوري يختاره كما يختار نعله أو طعامه، ويختاره نباتيا ومخصيا، لا يحتاج إلى الناب، وهو ليس بأشدَّ عليه من الدستور الذي يعبث به مرات كأنه دفتر ديوان البقال.

وقد اختار الرئيس الأسد الذي جر هذا الحنطور طويلا ثلاثة نواب هم: شقيقه رفعت الأسد، وزهير المشارقة، وعبد الحليم خدام، وكان له فيهم مآرب، منها: اتباع قاعدة الاستعمار الشهيرة: فرِّق تسد، كما فعل مع الجهات الأمنية الكثيرة، ومنها: رفع قدره، فهو أعلى وأجلُّ من أن ينوب عنه نائب واحد، ويهشُّ بهم على غنمه الشعب.

وشهيرة جداً قصة صفعة النائب الأساسي رفعت، للنائب الشكلي زهير مشارقة. ويروى أن مشارقة صبر وحَلُم بعد الصفعة المهينة وانتظر على باب القصر الجمهوري حتى أتيحت له رؤية الرئيس، فاشتكاه صفعة أخيه، ويقال إن الرئيس عاقب أخاه بكتابة كتاب القراءة جزاءً عشر مرات، كأنه تلميذ نسي الوظيفة المدرسية!

ولم يكن النائبان السنيّان بقوة الشقيق النائب ذي الناب والضرس من اللحم والدم والدين. وقد حلم الأسد على أخيه أكثر من حلم مشارقة به، فقد قام بانقلاب حقيقي على أخيه، فنفاه بعد أن أباح له نهب البنك المركزي السوري، تعويضا له عن فشل الانقلاب، فجرده جرداً كما يجرد الجراد الحصيد.

وبعد وفاة مشارقة، حلّتْ القارورة الرقيقة نجاح العطار محله، فكانت أضعف منه، وبقيت وزيرة للثقافة في منصب نائب الرئيس، تقوم بافتتاح معارض الكتب والمؤتمرات الثقافية، وكانت ذلك أقصى ما تقوى عليه. وهي مع ذلك إشارة رمزية، كان الشعب السوري يستأنس بها في المنصب كذكرى من الإخوان وعالم النسيان، وتزكية للقراءة والثقافة والكتب ومحو الأمية والذاكرة في غابة السيوف والجزم.

ولم يكن لحسني مبارك نائب إلى أن قامت ثورة يناير، فاضطر إلى تسمية عمر سليمان. وليس للسيسي نائب، فالرئيس يغار من النائب على منصبه الرفيع، ويخشى من انقلابه عليه، وليس له من يماثله في السلطان، وإن سمّاه، اختاره من الضعاف المتروكين وأحيانا من المبروكين البهاليل، ولا ينوب مبروك عن مبروك في هذه البلاد المباركة.

 

بقلم أحمد عمر
 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.