ردع الصدمة والترويع الإيراني – الأميركي

تاريخ الإضافة الأربعاء 5 آب 2020 - 4:07 م    عدد الزيارات 237    التعليقات 0     القسم سياسي

        


ليس صحيحاً الاعتماد على الانطباعات الشخصية لتكون مقياسا في الحكم على وقائع تاريخ العراق المعاصر، خاصة في سنوات التردي الحالية، حيث تسود أحكام الكراهية والثأر الذي ينبعث من نفوس مريضة تصلح فقط لإدارة شؤون أرذل أنواع المافيا، وليس حكم بلد كالعراق. رغم ذلك، تنفع الانطباعات، إن صدرت عن مراقبين وشهود ومشاركين في الأحداث، أن تكون دروسها للأجيال العراقية الجديدة، لعلها تتخلص من أدران الواقع المرير الحالي.

 

كتبت سطور هذه المقدمة السريعة كتعبير عن التزام وطني وأخلاقي بضرورة الابتعاد عن الأحكام الذاتية المسبقة، فيما حصل في العراق خلال نصف قرن من إخفاق السياسيين، خلال الحقبة الزمنية التي تلت سقوط النظام الملكي، في إدارة حكم البلاد، وسيطرة الغرور الفردي والنزعات القبلية وشحنات العنف على عقولهم، وأخيراً امتزاج الفساد وسرقة المال العام بالارتهان للخارج.

 

أكثر المحطات إيلاماً في حياة العراقيين، قبل ابتلائهم بالقتلة والطائفيين بعد عام 2003، ما واجهوه من مشروع أميركي اختار بلدهم في وقت مبكر، قبل احتلال صدام للكويت 1990، ليكون قاعدة مثالية في قيادة النظام العالمي الجديد، بعد إسقاط دولته بالاحتلال العسكري، وتطبيق طرق أبشع مما عرفته شعوب السلفادور وكولومبيا وبنما وغيرها من بلدان أميركا اللاتينية، في القتل وتعذيب السجناء، بعد أن هيمن على الإدارة الأميركية كبار منظري اليمين المتشدد (ديك تشيني، دونالد رامسفيلد، كولن باول، كونداليزا رايس، بول ولوفيتز، شارل بيرل وزلماي خليل زادة) في ظل حكم بوش الابن، الذي قاد غزو العراق تطبيقاً لنظرية “الصدمة والرعب.”

 

ما شغل عقول زعماء الشر الأميركان هو كيفية استثمار فرص إضعاف العراق، بعد امتلاكه لجيش قوي بتسليح سوفييتي، وثروة وتنمية واعدة وشعب متماسك، فتشاركت قوى اليمين الأميركي مع زعيم النظام الإيراني الخميني، في العمل على إطالة زمن الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988 التي عمل العراق على وقفها منذ عام 1982، وتؤكد ذلك تصريحات خليل زلماي زادة، المنشورة بأن انتصار العراق في تلك الحرب سيؤدي إلى خسارة فرصة تطبيق المشروع الأميركي في المنطقة.

 

واستثمر انتصار العراق العسكري في تلك الحرب لصالح مشروع تفكيكه واحتلاله لاحقاً، ولو توفرّت العقلية السياسية القائدة للبلد القارئة للمستقبل بعيدا عن نزعات الزعامة القومية التي أصبحت جزءاً من الماضي، لما أصبحت سياسات صدام حسين إثر انتهاء تلك الحرب، صيداً سهلا بيد أصحاب مشروع تفتيت العراق.

 

المزاج الفردي وامتزاج غرور الانتصار العسكري بالاستحقاقات الشعبية العراقية لحياة مدنية واعدة، دفع نظام صدام، العاجز عن الإيفاء بها، بعيدا عن العقلانية السياسية، متخذا مواقف متهورة في السياسة الخارجية، مثالها إعدام الصحافي البريطاني، بازوفت، في مارس عام 1990، مستهينا برجاء رئيسة وزراء بريطانيا في ذلك الوقت، مارغريت تاتشر، مما دفعها إلى مباركة الحل العسكري لإخراج الجيش العراقي من الكويت، رغم أنها استقالت قبل ثلاثة أشهر من بدء حرب عاصفة الصحراء عام 1991، التي أحدثت دماراً في العاصمة العراقية، وشكلت مشاهد جثث الأطفال والنساء والمدنيين المتفحمة في ملجأ “العامرية” صدمة في الأوساط العالمية.

 

أكثر المحطات إيلاماً في حياة العراقيين قبل ابتلائهم بالقتلة والطائفيين ما واجهوه من مشروع أميركي اختار بلدهم في وقت مبكر قبل احتلال صدام للكويت ليكون قاعدة مثالية لقيادة النظام العالمي الجديد

 

لم يستمع صدام إلى صوت العقل والحلول الدبلوماسية. وكشهادة تاريخية حول هذه الأزمة أتذكر، حين كنت سفيراً للعراق في فنزويلا، استدعاني الرئيس الفنزويلي، كارلوس أندريسبيريز، وعرض مبادرة حل سياسي متوازن وقال لي: لديّ تطمينات من قبل واشنطن ودول كبرى لقبول الحل الدبلوماسي، وطلب جواباً على المبادرة. وحين أرسلت البرقية إلى بغداد جاءني جواب رئاسي مقرّع، لأنني لم أذكر للرئيس الفنزويلي بأن “القائد صدام يخوض الحرب ضد أميركا وعملائها في المنطقة”. ومعروف أنه رفض أيضاً مبادرة الأمين العام للأمم المتحدة حينها، خافيير بيريز دي كويار، لتجنب الحرب خلال لقائه به في بغداد. كما رفض وزير الخارجية طارق عزيز تسلم رسالة بوش التي حملها بيكر فيما سمي لقاء عزيز- بيكر.

 

رغم حماقة قرار احتلال الكويت وانفراد صدام باتخاذه، حسبما عرف، إلا أن الأسرة الكويتية الحاكمة تتحمل مشاركة المسؤولية للنتائج الكارثية التي حصلت، وكان يمكن للمال أن يسقط مبررات الغزو، ويجنّب البلدين مئات الضحايا من الأسرى والمفقودين من الأشقاء الكويتيين، وأكثر من مليون ضحية عراقية لما بعد عام 1991، وقد شعر المسؤولون الكويتيون فيما بعد أنهم انتصروا لأنهم ربحوا التعويضات المالية، وربحوا بوابة العراق البحرية، واستغلال ظرف الهزيمة العسكرية العراقية لاستلاب أراض عراقية دون حق، لكن الحكام الكويتيين خسروا ضمانة المستقبل الآمن مع الجار العراقي.

 

كانت عاصفة الصحراء ليلة السابع عشر من يناير 1991، تدريباً دموياً لما حصل بعدها في مارس 2003، كانت فصول الجريمة الكبرى بقتل الآلاف من الجنود العراقيين وهم في حالة الانسحاب داخل الأراضي العراقية، بما سمي طريق الموت، تنقل مباشرة عبر شبكة الـ”سي. إن. إن” التلفزيونية، ولم يكن مخططو الجريمة ومنفذوها محبين لأهل الكويت وشعبها، بل كانت فرصتهم في تحطيم جيش العراق وقتل الآلاف من العراقيين وتدمير بنية البلد التحتية في الكهرباء والماء والاتصالات، وكان الوقت مبكراً لوجستياً وجيوسياسياً لإسقاط النظام السياسي في بغداد من قبل الأميركان، لعدم تحضيرهم بديلا سياسيا متوافقا مع مشروعهم. فالمعارضة في ذلك الحين يتزعمها خليط وطني قومي عروبي لا زعامة للأحزاب الدينية فيها.

 

لهذه الأسباب ولغيرها من صفقات ما زالت غير معلنة، حصلت فوضى الجيش والقوات الأمنية العراقية، وفشل مشروع إيران في احتلال العراق من مدن الجنوب، تحت غطاء ما سمي “بالانتفاضة”، وتم تعويض الفشل الإيراني بتنفيذ المجازر الوحشية بقتل الآلاف من الجنود والمنتسبين لحزب البعث، وحصل تدفق للهاربين من الجيش وبعض متطوعي تلك “الانتفاضة” بعد فشلها إلى معسكر “رفحا” السعودي، الذي كان محطة انتظار لتوزيعهم كلاجئين إلى الولايات المتحدة ودول أوروبا، ليتحولوا في عهد القرصنة السياسية والنهب إلى مجاهدين يستلمون رواتب عالية، في حين يعاني خريجو الجامعات العراقية من أطباء ومهندسين وغيرهم البطالة والحاجة.

 

كانت واقعة الحادي عشر من سبتمبر 2001 الفرصة الذهبية لتنفيذ مشروع “الصدمة والترويع” داخل مكاتب زعيمي اليمين رامسفيلد وكولن باول، الذي أعجب بالمشروع حين قدمه له ضابط البحرية، هارلان أولمان، الذي كشف للصحافة الأميركية، في الأيام الأولى للاجتياح العسكري، عن إعداده ومجموعة من الجنود الذين شاركوا في حرب عاصفة الصحراء عام 1991، لإحداث الصدمة في صفوف الجنود والشعب العراقي، بتنفيذ موجات القتل الجماعي والتعذيب في السجون، من قبل مرتزقة الحرب الوسخة في كولومبيا وجنوب أفريقيا وشيلي، وفضيحة “أبو غريب” مثال واحد من مئات الأمثلة. وقد اكتسبت الأدوات الإيرانية داخل الأجهزة الأمنية وخارجها تلك الخبرات لتواصل مشروع الرعب بحق العراقيين بشكل وقح.

 

الصدمة في ميدانها العسكري حققت نتائجها في تدمير دولة العراق وبنيته التحتية، واستكمل بول بريمر، سياسيا، إقامة هيكل النظام الطائفي، باستجلاب الجهلة والمغمورين، فقط لأنهم رفعوا راية “مظلومية الشيعة”، التي تبددت وانكشفت بعد أعوام على يد طلائع شباب الشيعة، في ثورة أكتوبر 2019، التي أسست عناصر الردع للمشروعين الأميركي والإيراني، وشكلت مقدمات النهضة العراقية الجديدة، ولهذا السبب تحارب بشراسة، ممن كشفوا عن هويتهم بصفتهم مافيا تسرق مال العراق، وملأت أرقام النهب صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي، بعد سبعة عشر عاماً والتي دفع ثمنها شعب العراق، لكن لحد اللحظة لم يتحقق الردع الحقيقي بالقبض على هؤلاء وفضحهم، وإن كان ردع الثوار قادما.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.