العراق الحائر بين السعودية وإيران

تاريخ الإضافة الثلاثاء 21 تموز 2020 - 7:35 م    عدد الزيارات 654    التعليقات 0     القسم سياسي

        


اياد الدليمي

كاتب وصحفي عراقي

من المقرر أن يصل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الليلة إلى طهران، في زيارة كان يفترض أن تكون عقب زيارة إلى السعودية، تأجلت بسبب مرض الملك سلمان بن عبد العزيز، غير أن ذلك لم يمنع وفداً عراقياً برئاسة نائب رئيس الوزراء وزير المالية، علي علاوي، من ترؤس وفد عراقي زار المملكة، في محاولة عراقية لفتح صفحة تعاون اقتصادي وسياسي يمكن أن ينعكس إيجاباً على واقع العراق الذي يعاني من أزمات متلاحقة. تعاون لا يبدو أنه سيكون ممكناً من دون الحصول على ضوء إيراني أخضر، وهو ما سيسعى إليه الكاظمي في طهران في لقائه مع المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، فإيران التي تمسك بتلابيب الداخل العراقي وملفاته المتعدّدة، بقيت تمانع وجود أي دور سعودي، وخصوصا في ما يتعلق بالاقتصاد والاستثمارات.

 

وقد تصدّر الربط الكهربائي للعراق مع دول الخليج العربية ملف المباحثات العراقية في أثنائها، وهو الملف الذي ما زالت طهران ترى فيه بوابة مهمة لدخول سعودي خليجي إلى العراق، غير مرغوب فيه من وجهة نظرها، فهو سيعني، فيما يعنيه؛ فقدان إيران موارد سنوية تصل إلى نحو مليار ونصف المليار دولار مقابل تجهيز العراق بالطاقة. ولدى إيران تخوف أكبر من دخول منافس، بحجم السعودية، لها في العراق، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، وإنما أيضاً على الصعيد السياسي، فقد عطلت إيران، طوال عقد، أي تقارب عراقي، سواء مع السعودية أو من جيرانه العرب، خصوصا بعد أن نجحت في أن تكون اللاعب الأبرز، وربما الوحيد، في الساحة العراقية.

 

 

على الرغم من ذلك، لدى مصطفى الكاظمي فرصة قد لا تتكرّر لغيره في محاولته إيجاد أرضية مشتركة، يمكن له أن ينطلق منها في تعاطيه مع خصومات الجارين اللدودين، السعودية وإيران، فالدولتان تعيشان على وقع أزماتٍ داخلية وخارجية، يمكن أن تفتح للعراق مساحةً للمناورة إن أحسن الكاظمي وفريقه قراءتها جيدا. والسعودية تعيش على وقع أزمات خارجية وداخلية، منها التورّط في حرب اليمن المشتعلة منذ 2015، وحصار قطر الذي تحول إلى وبال على صانع السياسة السعودية، بالإضافة إلى ملف اغتيال جمال خاشقجي، وما سببه من اهتزاز صورة السعودية الخارجية. وداخليا، يبدو أن أزمات متلاحقة ما زالت بانتظار ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في طريق صعوده الى العرش، ناهيك عن التداعيات الاقتصادية المتلاحقة جرّاء انخفاض أسعار النفط، وجائحة كورونا وتداعياتها. وليست إيران في حال أفضل، فقد جرّبت طهران مراراً إيصال رسائل التهدئة إلى الولايات المتحدة التي تشدّد الخناق عليها بفعل العقوبات الاقتصادية، وأدّت إلى انهيار غير مسبوق بالنسبة للعملة الإيرانية، وما تبعه من تردّي الواقع المعيشي للمواطن الإيراني الذي يبدو أن السبل ضاقت به، فلم يعد أمامه من خيار سوى الشارع، كما جرى في عدة تظاهرات، انطلقت قبل أيام في عدة مدن إيرانية.

 

 

تدرك إيران جيداً أن الكاظمي ربما يبدو فرصة أخيرة للإبقاء على العملية السياسية في العراق، وهو خيار؛ وإن كان مرّاً بالنسبة لبعض صقورها، إلا أنه أفضل من انهيار تام لمنظومة العملية السياسية في العراق، وما قد تجلبه لها من فقدان جزء كبير من نفوذها في العراق. ولكن هذا لا يمنع من أن إيران، العارفة بخفايا الواقع العراقي، ستقاوم الرغبة السعودية بالدخول على الخط العراقي، او على الأقل تحسين شروطها للدخول، ولعل واحدا من بين تلك الشروط أن تلعب السعودية دوراً في تهدئة الوضع المتفجر في المنطقة، خصوصا في أعقاب التفجيرات التي طاولت عدة مواقع إيرانية، ويعتقد أن إسرائيل تقف خلفها.

 

يبدو أن الكاظمي في مهمة انتحارية، بين داخلٍ متفجّر يعاني من وقائع موت يومية معلنة وغير معلنة، يتصدّره التحدّي الكبير في مواجهة المليشيات التي تمثل دولةً داخل الدولة العراقية، وبين صراعات دول المنطقة، والتي غالباً ما يجد العراق نفسه محشوراً في زاويتها الضيقة، وهو الذي يعيش ضعفاً سياسياً لم يعهده العراق من قبل. مع ذلك، لا يبدو أن مهمة الكاظمي مستحيلة، فهو اليوم يمتلك دعماً شعبياً قلما حظي به رئيس حكومة عراقية منذ 2003، ناهيك عن دعم دولي يجد فيه فرصة لإخراج العراق من أزماته المتلاحقة، كما أن فرصته تتمثل أيضاً بدول جوار باتت، هي الأخرى، تعاني من أزمات داخلية وخارجية، وخصوصا فيما يتعلق بالسعودية وإيران.

 

 

على الكاظمي أن يقرأ اللحظة بطريقةٍ واقعيةٍ واعية، وأن يسعى إلى تشكيل رؤية عراقية للاستفادة من أزمات الآخرين، خصوصا أنه يؤدّي زيارة إلى واشنطن عقب عيد الأضحى؛ تتحدد خلالها تفاصيل كثيرة في الخطوة العراقية المقبلة، سواء في ما يتعلق بالداخل أو بالعلاقات مع دول الجوار، وفي مقدمتها إيران والسعودية.

 

لم تعد المنطقة تحتمل مغامرات جديدة، وعلى صانعي السياسات إدراك أهمية إيجاد مقاربة جديدة قادرة على أن تصنع تهدئةً، قد تحمل بين ثناياها واقعاً أفضل للجميع، لأن أي مواجهةٍ جديدةٍ ستحمل معها تداعياتٍ أقل ما يقال عنها إنها ستؤثر على طبيعة المنطقة وجغرافيتها؛ مئة عام مقبلة، ولا يبدو أن أيا من دول المنطقة قادرة على تحمل مثل هذه التكلفة.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.