حكومة من أجل اللادولة

تاريخ الإضافة الإثنين 23 آذار 2020 - 7:23 م    عدد الزيارات 31    التعليقات 0     القسم سياسي

        


مشرق عباس

كاتب عراقي

لا ننتظر حكومة وطنية عراقية، فمجرد تشكيل حكومة عراقية حزبية بات أمرا مستعصيا، فكيف إذا كانت حكومة وطنية تنطبق عليها شروط الاحتجاجات بأن تكون قوية ومستقلة عن الأحزاب وقادرة على إنقاذ العراق من مستنقع التخبط والفوضى وانفلات المليشيات.

 

الذهاب أخيرا إلى تكليف عدنان الزرفي لتشكيل الحكومة، يندرج ضمن الدوران العراقي في داخل الحلقة المغلقة لا خارجها. ومع أن المكلف حزبي معلن، ومحافظ سابق، وجزء من تركيبة النظام السياسي منذ 2003، فإن التوصل إلى اتفاق حوله مهمة صعبة، خصوصا بين "القوى السياسية الشيعية" التي باتت أكثر صراحة في تصنيف نفسها إلى سبعة أحزاب رئيسية يمتلك كل منها "حق الفيتو" على شخصية رئيس الوزراء. وإذا أخذنا في الاعتبار أن هناك طرفين كرديين وطرفين سنيين يمتلك كل منها هذا الحق فإننا نقف عمليا أمام مهمة مستحيلة لاختيار رئيس حكومة لا يجب أن تختلف عليه 11 قوة سياسية مختلفة التوجهات والأفكار والأهداف والمنطلقات.

 

هذا السياق الفنتازي لما آلت إليه العملية السياسية في العراق، يكشف في الحقيقة عن جوهر الاحتجاجات الشعبية التي تراجع زخمها مؤخرا بسبب انتشار وباء "كورونا" وهي مؤهلة ومستعدة لمعاودة مطالبها بتغيير سياسي شامل ما زالت تعجز عن إنجازه القوى السياسية الحالية بنفسها، لأنها في التحليل المتفائل غير مؤهلة وغير مدركة لفداحة ما وصلت إليه الامور في العراق، أو لأنها، في رؤية أكثر تشاؤما، متورطة بتعمد في المضي بهذه البلاد إلى مصير يتوضح رويدا رويدا، ولن تكون التقسيم والحروب الأهلية والانهيارات الاجتماعية بعيدة عنه.

 

الأمر لم يعد يجدي، والحديث الصريح الذي طرحه المتظاهرون في اليوم الأول لاحتجاجهم حول عجز النظام السياسي العراقي الحالي عن إنتاج الحلول يثبت دقته بعد مرور نحو خمسة شهور على انطلاق تظاهرات تشرين، من دون أن تقدم الأطراف السياسية الحاكمة أي تنازل فعلي، على مستوى فهم قناعات شعبها في الأقل والتصرف على أساس هذا الفهم.

 

ليس مهما فعلا أن تتشكل حكومة اليوم، كما يأمل أصدقاء الزرفي، أو لا تتشكل كما يتمنى أعداؤه، أو العودة لتكليف عبد المهدي كما يحلم آخرون، فالأصل أن كل التداعيات التي أعقبت الآمال التي افتتحتها استقالة حكومة عبد المهدي على وقع تضحيات المتظاهرين العراقيين ودمائهم وصرخات غضبهم، بإمكانية افتتاح عصر عراقي جديد يتجاوز نظام تقاسم العراق عن طريق أحزابه المتسلطة على إمكاناته، قد تبددت منذ ذلك الحين، وكل ما حصل منذ ذلك الحين يراكم الإحباط في النفوس ويغلق أبواب الأمل.

 

ليس مهما أن يتذاكى السياسيون من جديد، فيستعرض الولائيون إمكاناتهم الصاروخية لاتهام الزرفي بأنه مدعوم أميركيا، أو أن يقول الزرفي غدا إن إيران هي من أسقطته، فهذا السيناريو بات مكررا، وثمة قضية أكثر عمقا من اسم رئيس الوزراء الحالي أو الذي سوف يليه، تتعلق بهدم ثقة الناس بأن الديمقراطية التي جلبتها الدبابات الأميركية ومعها أفواج من المعممين والأفندية وصانعي الأوهام وبائعي الكلام يمكن أن تكون حلا.

 

 

عندما يصل الشعب إلى هذه النتيجة سيحاول أن ينتج جلاديه كما فعل في ظروف لا تكاد تكون مختلفة عام 1958 عندما قادت سلسلة من الحكومات الضعيفة المتساقطة والخلافات العميقة حول الهوية القومية، وفي ظل رعاية بريطانية انتهازية وتكالب إقليمي وسوفياتي حينها إلى هدم التجربة التي أنتجها الاحتلال البريطاني.

 

نعم.. علينا كعراقيين، وعلى المنطقة، والمجتمع الدولي، أن نخشى بقوة ذلك التنامي المضطرد لليأس في قلوب الناس، ولجوئهم في لحظة إحباط وطيش إما لتدمير بلدهم وتقسيمه أو تسليمه لدكتاتورية جديدة سيمضي الكثير من الوقت قبل مراجعة نتائجها.

 

في الغالب سيلتحق عدنان الزرفي بمحمد توفيق علاوي، والواقع أن ذلك غير مهم أيضا، فلم يكن أيا منهما ليصبح علاجا للتعفن الذي أصاب الرئة العراقية على يد زعماء الأحزاب من الشخصيات الهامشية الذين أصبحوا أمراء حرب وصناع ملوك وأصحاب أموال ومصالح في ظل ورعاية الاحتلال الأميركي قبل أن يكتبوا قصائد الشعر في هجاء هذا الاحتلال مع تبدل مصالحهم.

 

الحكومة الوحيدة التي يمكنها إنجاز المهمة، عليها أن تكون مستعدة لهدم إرث العملية السياسية الحالية بكل تقاليدها الخاطئة، واعتباراتها، وشخصياتها، والبدء بإنتاج حوار وطني شامل ومسؤول يفضي إلى عقد اجتماعي جديد للدولة العراقية من أجل إنقاذها من مآلاتها الخطيرة، وفتح أفق للمستقبل يمكن أن يجتمع عليه العراقيون.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.