هكذا سوف تلجأ ايران إلى العراق ثم الإنكفاء على نفسها

تاريخ الإضافة الإثنين 28 كانون الثاني 2019 - 10:57 م    عدد الزيارات 1281    التعليقات 0     القسم سياسي

        


د. ماجد السامرائي

كاتب عراقي

ترقب كبير يحذوا الشارع العراقي في جميع الأروقة، وترقب آخر يعيشه المسؤولين العراقيين بشتى توجهاتهم ومكانتهم، وذلك يعود إلى أمرين الأول هو الجمهور الناقم، والثاني هو الإستفزاز الأمريكي الذي يسلطه الجانب الأمريكي على السياسي العراقي.

 

المعركة المقبلة للدولة الرديفة في العراق سيكون ظاهرها ضرب المصالح الأميركية وخلق تعبئة داخل البرلمان... أما باطنها فهو قطع الطريق على أي سعي من حكومة عبدالمهدي لفك عزلة العراق.

 

الواقع السياسي العراقي ما زال مرتبكا بسبب تراكم المشكلات وتصاعدها خصوصاً المرتبطة بحياة المواطنين المعيشية والأمنية. وأصبحت حالة اليأس والتعب تعصر نفوس الآباء وملايين الأرامل دون حصول بارقة أمل بالانفراج.

 

أربع حكومات سبقت الحكومة الحالية انقسمت بين مساهمة في الأزمات وبين عاجزة عن حلها. السبب الداخلي هو هيمنة الأحزاب الإسلامية الطائفية على الحكومات وحمايتها للفاسدين، والسبب الخارجي هو تحكم نظام ولاية الفقيه الإيراني بمفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل العراق، ورضا الحكومات المتعاقبة، الطوعي أو الإجباري، على تلك الهيمنة التي ألحقت أضرارا بليغة بالعراقيين.

 

وللإنصاف فإن رئيس الحكومة الحالية عادل عبدالمهدي لديه الرغبة للتغيير كسبا لعنوان النجاح الشخصي، لكنه يعرف بأن الأزمة أكبر من قدراته واستعداداته الفردية حتى وإن عاونه بعض رفاقه السياسيين القدامى داخل العملية السياسية من خارج الأحزاب الإسلامية المتربصة بخطواته ومن خلفها طهران التي لا تريد الخير للعراق، والتي سعت وتسعى إلى إبقائه مفككاً اجتماعياً وضعيفاً اقتصاديا، رغم تبوئه مكانة الصدارة في إنتاج النفط، لكنه مضطر إلى استيراد المنتجات النفطية والطاقة الكهربائية من إيران التي هي اليوم أكثر تغولا وشراسة في إحكام السيطرة عبر وكلائها المنتشرين عسكرياً في ثلثي العراق العربي.

 

عادل عبدالمهدي يعلم بأن إيران منعت حيدر العبادي من الولاية الثانية لإعلانه موقف المهادنة للعقوبات الأميركية الأخيرة على طهران، وهي مشكلة ما زالت قائمة وتواجه الحكومة الحالية بصورة أكثر خطورة لأن سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب هي خنق إيران اقتصادياً وتتصاعد يوماً بعد آخر، وحقلها المهم هو العراق خصوصاً بعد الأخبار التي تتحدث عن سيناريوهات سياسية وعسكرية منها استخدام صواريخ باليستية نقلت من إيران وأودعت لدى بعض فصائل الميليشيات العراقية، وقد توجه ضد بعض دول الجوار العراقي الصديقة للولايات المتحدة إذا ما احتدم الصراع الأميركي الإيراني.

 

الأيام المقبلة ستكون قاتمة في وضع إيران بعد احتمالات تقليص نفوذها في سوريا وخسارتها للحليف الفنزويلي نيكولاس مادورو

 

لقد نجحت طهران في تعزيز نفوذها السياسي في العراق بعد نقل قدرات وكلائها من مواقعهم القتالية الشعبوية إلى المسرح السياسي بتأثير غير مسبوق على البرلمان والحكومة. وهذا التطور المحاط بحماية قانونية وسياسية لتلك الفصائل قد عزز من هيمنتها إلى درجة إخراس أي صوت عراقي ناقد أو متضرر من تصرفاتها، ووفق الترتيبات الإيرانية الجديدة توفرت لهذه القوى الموالية لطهران فرص فرض القرار السياسي العراقي دون إعطاء جزء يسير من المكانة السياسية لمن فازوا في الانتخابات الأخيرة من الفصائل الشيعية الأخرى التي لا تحمل هذا الحجم من التبعية، ورأى فيها أبناء الشعب فرصة لاحتمالات التغيير وإعادة جزء من سيادة العراق المسلوبة.

 

لقد خافت طهران من حدوث اختراق وطني في المشهد السياسي العراقي لصالح العراقيين مما يعني وضع العقبات أمام نفوذها، ولهذا سارعت إلى تنفيذ لعبة تعزيز مكانة الدولة الرديفة عبر الميليشيات التي لديها قوة عسكرية تضاهي الجيش العراقي، وإمكانيات اقتصادية ستعزز داخل الوزارات في الأيام المقبلة بتعبئة ودعم من الإعلام الموالي لإيران عبر القنوات الفضائية ووسائل الاتصال الاجتماعي، والتمكن من تعزيز قدرات التحكم الميليشياوي في مراكز إنتاج النفط في جنوب العراق والهيمنة على حركة التصدير غير الشرعية وسحبها من الأحزاب الشيعية التقليدية.

 

هناك عمل سريع على تكييف الحالة العراقية الآن بعد تصاعد عزلة إيران وحصار نظامها بما يتناسب مع سيكولوجية العراقيين وذلك بعدما تم استفزازهم بالنقل الحرفي لتجربة نظام ولاية الفقيه في هيمنة الحرس الثوري على المجالات العسكرية والاقتصادية الإيرانية، لأن العراقيين قد يختلفون في ما بينهم على المشروع السياسي الذي يحكمهم، لكنهم لا يتحملون قوة خارجية تتحكم بهم بهذه الوقاحة والشراسة، سواء كانت من قبل الولايات المتحدة أو من إيران.

 

ولهذا أصبحت اللعبة الإيرانية الجديدة تسعى إلى تحويل الهيمنة السياسية إلى برامج ينفذها وكلاؤها في العراق، بعد إنجاز قاسم سليماني مرحلة تسوية الاختلافات الطائفية مع العرب السنة بضم وجوه جديدة من بين الباحثين عن مواقع سياسية لحماية وتطوير أوضاعهم التجارية في العراق، أو أولئك القادرين على تمرير ازدواجية الولاء بين طهران وواشنطن، بعد أن أصبحت القوى الميليشياوية مهيمنة وتتحكم بالمحافظات العربية السنية جميعها، وتعززت مواقعها في المراكز العسكرية والأمنية والاستخباراتية في بغداد والمحافظات الجنوبية وخصوصاً البصرة التي شهدت غضبا شعبيا أقلق إيران في الاحتجاجات الشعبية الأخيرة.

 

رئيس الحكومة الحالية عادل عبدالمهدي لديه الرغبة للتغيير كسبا لعنوان النجاح الشخصي، لكنه يعرف بأن الأزمة أكبر من قدراته واستعداداته الفردية

 

ولعل الإصرار على توزير فالح الفياض لمنصب وزير الداخلية مثال على ذلك. وبعد هذه الترتيبات اللوجستية لبناء الدولة الرديفة لن تسمح طهران بأي محاولة لفك طوق العزلة العراقية عن محيطه العربي، لأنها تعتقد بأن ذلك سيقلص من هيمنتها على البلاد، ولهذا لا نستبعد اصطدام إيران مع عادل عبدالمهدي إذا ما حاول بحرص سياسي عراقي على تنفيذ سياسة الانفتاح العربي لتجاوز الاختناقات الحالية في ميدان إعادة إعمار المحافظات المحررة من تنظيم داعش، وتغيير خارطة الاستسلام للواردات الإيرانية وتأمين احتياجات الطاقة وسط استعدادات جادة من الأشقاء العرب لمعاونة شعب العراق، وهو مجال لا يستطيع أي رئيس حكومة مخلص لشعبه أن يرفضه، وأعتقد أن عادل عبدالمهدي لديه مثل هذه الرغبات المستجيبة لحاجات البلد.

 

ولهذا فإن الظروف المقبلة لن تكون وردية في وجه رئيس الوزراء العراقي، وقد يحدث الصدام رغم نعومة سياسته عندما تتأكد طهران بأنه بدأ ينتهج برامج جادة للتغيير، وسيكون الرد الإيراني عبر الدولة “الرديفة” ووسائلها حيث ستعزز وتكبر حملات التشكيك والعداوات ضد العرب وخصوصاً المملكة العربية السعودية واختلاق أزمات ومشكلات ميدانية تخريبية في هذا المرفق الإنمائي أو ذاك.

 

المعركة المقبلة لهذه الدولة الجديدة داخل العراق ستكون بعدة اتجاهات، سياسية وإعلامية وعسكرية ظاهرها لضرب المصالح الأميركية وخلق تعبئة داخل البرلمان لإنهاء الاتفاقية الأمنية مع واشنطن لتسهيل خطوات الاحتكاك المباشر بالقوات الأميركية داخل العراق، رغم أن تلك الفصائل لا تجرؤ على مثل هذه الخطوة الانتحارية، أما باطنها فهو قطع الطريق على أي توجه سياسي من حكومة عبدالمهدي لفك عزلة العراق.

 

الأيام المقبلة ستكون قاتمة في وضع إيران بعد احتمالات تقليص نفوذها في سوريا وخسارتها للحليف الفنزويلي نيكولاس مادورو، وكلما تشتد المعركة الاقتصادية ضدها ستزيد من اعتمادها على دولتها الرديفة في العراق، لكن مثل هذه الدولة المزعومة لن تصمد حين تنهار قوة إيران الاقتصادية والسياسية ويصبح مصيرها الحتمي هو الانكفاء نحو الداخل.


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.