Warning: getimagesize(): https:// wrapper is disabled in the server configuration by allow_url_fopen=0 in /home/inpplus2017/public_html/pages/articles.php on line 171

Warning: getimagesize(https://www.inp.plus/userfiles/Image/articles/2018/08/20180803_43780.jpeg): failed to open stream: no suitable wrapper could be found in /home/inpplus2017/public_html/pages/articles.php on line 171

حلبة إيران الضيقة!

تاريخ الإضافة الجمعة 3 آب 2018 - 3:57 م    عدد الزيارات 1055    التعليقات 0     القسم سياسي

        


محمد أحمد بنّيس

كاتب مغربي

يطرح عرض الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بشأن استعداده لحوار غير مشروط مع إيران، عدة أسئلة تتعلق بتوقيته، والغاية منه، في ظل ما تعرفه المنطقة من متغيرات. وبالنظر إلى الطبيعة المركبة لصناعة القرار السياسي الأمريكي، فإنّ طرح هذا العرض، في هذا التوقيت، يعكس ''تحولًا'' ما لدى الإدارة الأمريكية في تعاطيها مع إيران، خصوصًا بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في مايو/أيار المنصرم، فهذه الإدارة باتت تدرك جيدًا أنّ كلفة أي عمل عسكري ضد طهران السياسية والأمنية والبشرية ستكون باهظة، وقد يشعل المنطقة بأسرها في ظل ما تعج به من تناقضات. 
 

قد لا يكون من المبالغة القول، إنّ هذا العرض يعكس نوعًا من الإقرار الأمريكي بأهمية طهران في معادلات النفوذ والقوة في المنطقة، وبنجاح النظام الإيراني، بمختلف مكوناته، في استيعاب الضغوط الاقتصادية والسياسية التي يتعرّض لها، وإعادة إنتاجها بما يحافظ على هامش المناورة الذي يتمتع به في مواجهة خصومه في المنطقة. وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال على قدر من الدلالة: ما الذي جعل طهران تخرج من كل المتغيرات التي عرفتها المنطقة طوال العقود الثلاثة الماضية من دون خسائر كبيرة؟ وكيف نجح النظام الإيراني في التكيف مع هذه المتغيرات، وتحويل ارتداداتها في اتجاه ما يخدم استراتيجيته القائمة على التمددين، المذهبي والطائفي، بالدرجة الأولى؟ وكيف استطاع أن يمتص تبعات العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، بحيث لا تتحول إلى مورد لانتفاضة اجتماعية في الداخل؟ 
 

يمكن القول، إنّه بقدر ما تتقيد الدبلوماسية الإيرانية بالإرث السياسي للثورة الإسلامية، بقدر ما تبحث داخل كواليس السياسة الدولية عن تناقضاتٍ تستثمرها في تحصين مكتسباتها، وتخفيف الضغط عليها حين يضيق الخناق عليها. وعلى امتداد العقود الأربعة الماضية، ظلت هذه المزاوجة إحدى السمات البنيوية في الدبلوماسية الإيرانية، على الرغم من المتغيرات العميقة التي عرفها النظام الدولي والإقليمي، والتي حاولت طهران التكيف معها، والحدَّ من تأثيرها عليها. فلم تتخل يوما عن تعبئة الموارد السياسية والرمزية للثورة، وتوظيفها فيما يتعلق بدعم حلفائها في المنطقة، وفي الوقت نفسه، لم تغلق الباب يومًا أمام أي جهود للتخفيف من حدة التوتر مع خصومها. 
 

تدرك إيران أنّ هناك تخبطًا أمريكيًا في التعاطي معها، وهو ليس وليد اليوم، بل يعود إلى الفترة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس الراحل، صدام حسين، في العراق، حيث أخفقت الإدارة الأمريكية آنذاك في اجتراح وصفة استراتيجية ناجعة للتقليص من النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة. وعلى الرغم من أنّ التوقيع على الاتفاق النووي سنة 2015 كان، في أحد جوانبه، تكتيكًا أمريكيًا للالتفاف على هذا النفوذ، ومحاولة تفكيكه تدريجيًا من دون تكاليف كبيرة، إلا أنّ ذلك لم يحد من التغول الإيراني في المنطقة، وخصوصًا في العراق وسوريا. وجاءت الاصطفافات الجديدة في المنطقة، والتي واكبت وصول ترامب إلى البيت الأبيض، لتزيد من هذا التخبط الذي وصل إلى ذروته مع إقدام ترامب على الانسحاب من الاتفاق المذكور، وفرض عقوبات اقتصادية على طهران، من دون أن يكون ذلك ضمن استراتيجية واضحة. 
 

يأخذ هذا التخبط اليوم منحى آخر، ربما لم يتوقعه بعضهم، من خلال عرض ترامب التفاوض مع إيران. وقد يكون لذلك صلة بضعف الحاضنة الإقليمية لتوجه ترامب الرامي إلى تصفية النفوذ الإيراني، فالدعم السعودي لترامب يبدو غير كاف، في ظل التجاذبات التي ما فتئت المنطقة تفرزها في مختلف حلبات الصراع السعودي والإيراني، والتحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن يواجه مشكلة حقيقية في القضاء على الحوثيين، المدعومين من إيران، كما أنّ السياسة السعودية في العراق لم تُفلح في إحلال نوعٍ من التوازن المذهبي والطائفي يحد من النفوذ الإيراني. 
 

يعني ذلك أنّ إيران، وإن لم تنجح في التخفيف من حدة العقوبات المفروضة عليها، إلا أنّها نجحت في خلط الأوراق لدى خصومها (الولايات المتحدة، السعودية، إسرائيل)، والحيلولة دون توصلهم إلى تصور مشترك ومنسجم بشأن التعاطي معها، باعتبارها مشكلة إقليمية، هذا فضلًا عن نجاحها في التحكّم في المشهد الداخلي الذي طالما راهن عليه هؤلاء لإحداث تغيير من الداخل، يكون مقدمة لتصفية نفوذها في المنطقة. ولعل في تحفظ معظم القيادات الإيرانية على عرض ترامب الجديد ما يعكس قدرة لافتة على المناورة. وهي القدرة التي تربك أكثر القوى الإقليمية والدولية التي تتطلع للقضاء على النفوذ الإيراني، أو على الأقل الحد منه وتقليصه. 
 

يُمثل العرض الأمريكي الجديد واحدًا من أوجه التخبط الاستراتيجي الحاصل في الإدارة الأمريكية إزاءَ إيران، باعتبارها مشكلة إقليمية مزمنة، تخص واشنطن وحلفاءها. وقد لا يغير هذا العرض شيئًا على الأرض، على الأقل حاليًا، لكنّه ربما يوسع من هامش المناورة لدى إيران، ويمنحها موارد تمكّنها من إدارة المرحلة المقبلة بأقل الخسائر، خصوصًا في ظل المنعرجات الحاسمة التي يعرفها الملف السوري، والتي تتطلع طهران إلى لعب دور فاعل فيها، هذا من دون أن تُنسى ورقة إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وهي الورقة التي تبدو كفيلة، في حالة إقدام إيران عليها، بوضع المنطقة برمتها على فوهة بركان. 
 

يضع العرض الأمريكي علامات استفهام كبرى على ما يتردد بشأن توافقات روسية أمريكية تقضي بتقليص النفوذ الإيراني في سوريا، وبالتالي يطرح المشكلة الإيرانية ليس باعتبارها ظرفية تخص وجودها العسكري في سوريا واليمن، بل باعتبارها مشكلة استراتيجية، تتداخل فيها حسابات الاقتصاد والسياسة والمصالح الكبرى.



المصدر: العربي الجديد

 


مقالات متعلّقة


التعليقات (0)

 » لا يوجد تعليقات.

أضف تعليق

*
تحديث الصورة

* الخانات الضرورية.